Quantcast

اختبار الشعر زمن عدالة الخوف ! بقلم خالد كرونة

          إننا نتعلّم من التاريخ، أنه يستحيلُ على البشر التعلّمُ من التاريخ. (هيغل)

« شعراء المحجر » ..

هل يتعذّب الشعراء لأنّ قدَرهم يستعذب أن يُلحِق بهم هذه الكنية ؟  ألم يكن أسلافهم يطربون لكنية « شعراء المهجر » ؟ يا لسخريّة اللغة ..

وماذا بقي في جرار الذاكرة المتجمدة بين جدران الخوف الباردة؟ أبقيت كأسٌ من نبيذ خوابي التهاوي المريع تنفخ روحا في قصيدة منقوعة في ثمالة حبّ لم تبدّدها الجارفة فتركض كمهرة برّيّة بلا صهيل؟

يبصُر الشاعر البشريّة و قد استحالت جسدا واحدا ينتصب معاندا عدوّه المتكوّر المذبّبَ، فيُهالُ لا من مصير فاجع تتسع له آفاق النشيد ، بل يرتعب حين يتفرّس في وجه العالم فيُلفي أن شرّ ما في المحنة الانتظار … يا لقسوة الانتظار ..تشوّفٌ لخلاص قد يأتي ..ولكنّه سيصل متأخرا كفيلسوف مثالي !  ما يعتصر الشاعر أنّ خلاصا موعودا لن يترجّل عن مركبته قبل أن تتعاظم محنة الفقْد ..  وهل أوجع من الفقد على مهجته ؟ إنّه لا يعيش محنة الشعر ، بل محنة العالم !

لا أخال شاعرا زعم أنّ الشعر خلاصُ البشريّة .. ولكنّ النّاس جميعا يتأسّون به بأقدار مختلفة. .  إنّه على نحو ما خيمة أو سنديانة نتفيّأ جميعا ظلالها ، أو ربّما كان جدارَنا الأخير ساعة هروبنا الأوّل . من يدري ؟

صحيح أنّ العلماء ينقذون الناس من أمراضهم.. هم أيضا يرتشفون على مهل ـــ تماما مثل الشعراء ـــ  من أقداح الحلم المغامرِ ومن الخيال.. أمّا وصفة الشاعر فهي الحبّ لعلاج أسقام البشريّة المستحكمة : الجهل والظلم و الجشع !

ومن يغبنُ القصيدة حقّها أن تكونَ مغامرة في باخرة الوجود التي رفعت العلمَ الأصفر (راية الوباء) تَنشُد عافية العالم و تُنشِد للحياة؟ عافيةٌ يطلبُها بعدما أدرك بنو البشر تفاهة الدنيا و غباوة الإنسان ! ألم تكن رائعة « ماركيز » قصيدة في لبوس روائيّ ؟ ألم تغتسل بأمطار الشّعر يسقي حبّا مسنّا يطاعن آلة الزمن الجهنّميّة ؟

تسلّى الشيخ العاشق في رواية / قصيدة « ماركيز  » بإخافة الناس من الكوليرا .و يزرع فينا كائنٌ مجهريّ الهلع .. كيف سيلتقط « شعراء المحجر » مشهدَ الذعر يتملّك الطغاة قبل البؤساء؟ و كيف يقطفون في ربيع حزين وردة من بستان الشعر ؟ ألا يدهمهم السؤال : « ما جدوى كتابة قصيدة في عالم يهلك »؟    وأنّى لهم أن يستنبتوا بذرة الرجاء زمن عدالة الخوف ؟

هل يكتب « شاعر المحجر »غير سطور كآبته ؟ كم كان د. طه حسين بليغا حين قال : « الحزن كالوباء، يوجب العزلة  » ! ولكن ، هل توجب العزلة حقّا الحزن ؟

طفح الحزن كما يعلم السادة الشعراء و غمّم مرات مساحات السهول الشعريّة  وكاد يجفّف غياضها.. فما زالت صرخات نازك الملائكة ، عاشقة الليل ، ترتدّ إلينا بعد عقود . وما انفكّت قصيدتها « الكوليرا » تقرع أبوابا أوصدت دهرا .. استنبتت و بعضَ من شاركها المغامرة من رحم الموت ومن قاع الوجع ما به يطفر الشعر مستنقع الرثاثة الآسن .. كم نُلفي في قصيدتها صورة فزعنا الحاضرةَ ، وكم يأسرنا القاع الإنساني ساعة ترسم نازك ما نشاء ـــ ربماـــــــ رسْمَه اليوم وهي تنشد :

في بُحّة تأبى العدم

الجامعُ، مات مؤذّنهُ » حتّى حفّارُ القبْر ثوى .. لم يبقَ نصيرْ

الميّتُ …من سيؤبّنهُ ؟

لم يبقَ سوى نَوْح و زفيـــــــرْ

الطفلُ بلا أمّ و أبِ

يبكي من قلب ملتهبِ

وغدا ..لا شكّ سيلْقَفُهُ الداءُ الشّرّيرْ »

وهل يسعف الحجرُ القسريّ الشاعر فيتأسّى بأديب العزلة سليل النبلاء  » مارسيل بروست » ؟ قضى وافرا من حياته القصيرة يؤذيه « الربو » و يصدّ مدينته « باريس » عن احتضانه . أنفق أيّامه في عزلته متوقّعا الموت وسكَب نور أحداقه على ورقاته الناحلة نقدا و ترجمة و سردا لحكاية أثرِ ماضي الإنسان في حاضره.. وحين قضى (1922) رحل ولمّا ينقطعْ حبّه لمدينته فخلّف وراءه سلسلة روايات  « ذكرى الأيام السابقة »  التي باتت موسومة بعنوان  « البحث عن الزمن المفقود » À la recherche du temps perdu.. وحاز بفضل أدب العزلة لقب  » الروائي الأعظم » .

ومن لطيف المصادفات زمن « كوفيد الجديد » ، أنّ السيدة التي فُتنت بأعماله و كانت أوّل من ترجم سلسلة رواياته إلى الإنجليزية .. كان اسمها  : « سكوت مونكريف كورونا « .. يا لمكر التاريخ !

شعراءَ المحجر …يا ضميرَ التائهين :

أنشدوا أيّها الشعراء في خلاء الشوارعِ .. اقرعوا أجراس الكنائس الكئيبة ..  هَبُوا حناجركم و أقلامكم إلى عابرين لم يصِلوا علّها تواسيهم.. عمّروا المآذن بنداء الأمل .. أشيعوا موسيقى الحلم ..

قدَركم أن تكتبوا كما ــــ ربّما ـــــ لم تَــــكتبْ الكتابةُ من قبلُ .. قدركم أن تملئوا الخواء الفاجع بصخبِ النشيد .. ألستم ربابنة الحلم و أنبياء الربيع ؟ سيُبرؤنا سلسالُ الكلام المندفعُ من عين فنّكم الدافقة ..

وسيدفع عنّا شعركم / شعرُنا، أدواء  الهشاشة، و سيعيد إلينا نفوسَنا التي سالت يوما من نفوسِنا … فهلاّ أخرستم السّوقة عن الهذر؟ إنّ سوقهم لا تكسدُ إلا حين تعيدون إلى الأزاهير الذابلة رجاءها، وحين تسحبون في رفقكم المحبّبِ حباتِ ترابنا التي مادت من تحت سيقاننا ..

 

             خالد كرونة ـــــ كاتب من تونس

نقلا عن العدد الأخير من مجلة شعر  


فيديو لحاتم القرمازي الشّاب المسجون لأنّه إخترع صاروخ "تونس حرّة"
الرّقاب/ بالفديو: الأمن يهشّم دكّان مواطن
بالفيديو: راوية علّاقي تروي تفاصيل إعتداء القيّم العام على والدتها
وقفة احتجاجية تطالب بالكشف عن الأطراف المتورطة في قضية اغتيال الشهيد شكري بلعيد
سندس قربوج: لهذه الأسباب يصبح أبناؤنا إرهابيّين
بالفيديو: ومضة تحسيسيّة رائعة
قدماء مناضلي الاتحاد العام لطلبة تونس يهددون بطلب اللجوء السياسي
حمّه الهمّامي يروي لأوّل مرّة ذكريات 14 جانفي 2011 في دهاليز الدّاخليّة (الجزء الثالث)
حمّه الهمّامي يروي لأوّل مرّة ذكريات 14 جانفي 2011 في دهاليز الدّاخليّة (جزء ثاني)

تسريب اختبار الفلسفة الخاص بتلاميذ شعبة...

منوبة : السيطرة على الحريق الهائل في محيط...

أكثر من 133 ألف تلميذ يشرعون اليوم في اجتياز...

تطاوين : إضراب عام في المنشآت البترولية...

البنك المركزي التونسي يقرر الابقاء على...

بشير بوجدي : ضرورة التسريع في فتح المقاهي...

إعادة فتح محلات بيع الملابس: ما هي الشروط ؟

بسبب تعفن صابة البطاطا: فلاحو جندوبة يوجهون...

حدوث خسوف شبه ظل جزئي للقمر الجمعة

أستاذ في علم الفيروسات: الكلاب والقطط تنقل...

علماء الفلك يؤكّدون أن المجال المغناطيسي...

ناسا: كويكب ضخم يتجه نحو الأرض يوم 29 أفريل...

إطلاق إسم الراحل الشاذلي القليبي على مدينة...

مجلة " الحياة الثقافية " تعود إلى الصدور.....

توقيع رواية "عشتار، سيّدة الأسرار" لحياة...

رحيل المخرج صلاح الدين الصيد