Quantcast

الإصلاح في القرن التّاسع عشر في تونس : هل يكون جوهره الاقتباس من الغرب ؟

بقلم علي الجوابي 

في اطار الاحتفال بشهر التّراث وبمناسبة تونس عاصمة للثّقافة الاسلامية نظّمت يوم الجمعة 19 افريل 2019 المندوبية الجهوية للشّؤون الثّقافية ببن عروس بالشّراكة مع جمعية احبّاء المكتبة والكتاب والمكتبة المغاربية ببن عروس ندوة فكرية حول الفكر الاصلاحي التّونسي وذلك بفضاء المكتبة المغاربية ببن عروس واشتملت النّدوة على معرض صور لبعض المواقع الاثرية بولاية بن عروس وعلى مداخلتين الاولى وهي موضوع هذا المقال ألقاها الاستاذ احمد الطّويلي عنوانها : « الفكر الاصلاحي بتونس: البدايات » والثّانية نستعرضها في مقال ثان ألقاها الأستاذ جمال دراويل بعنوان: « محاولة في تشريح ذهنية مصلح القرن التّاسع عشر في تونس  » وقد ترأّس الجلسة الاستاذ محسن العوني وبعد القاء المداخلتين بدأ النّقاش.

ذكر الأستاذ احمد الطّويلي في مداخلته انّ جوهر البرنامج الاصلاحي هو ضرورة الاقتباس من الغرب فأشار الى أنّ خيرالدّين باشا دعا في كتابه  » اقوم المسالك في معرفة احوال الممالك  « الى الاخذ من الغرب لا سيّما فيما يخصّ التعليم و تنظيم الحكم  والى أنّه دعا الى حرّية الصّحافة مستعملا عبارة « حرّية المطبعة »

و ركّز الأستاذ احمد الطّويلي بالأساس على دور المدرسة الحربية بباردو في نشر الفكر الاصلاحي وقد كانت تدرّس اللّغة العربية واللّغات الاجنبية مثل الفرنسية والإيطالية واستقدمت الدّولة لها أساتذة من أوروبا لتدرّس العلوم العصرية مثل علوم الحرب والهندسة والحساب

ولاحظ الأستاذ أحمد الطّويلي انّ الطلبة التّونسيين في هذه المدرسة استفادوا من التّلاقي مع هؤلاء الأساتذة الاجانب وتناقشوا معهم في شأن اصلاح البلاد والنّهوض بها ولاحظ أيضا أنّ هذه المدرسة هي اوّل معهد للتّرجمة في بلادنا وهيّ أيضا أوّل معهد لتخريج الاطارات التّونسية ويليها معهد الصّادقية الذّي كان خرّجوه يطمحون لمواصلة تعليمهم العالي بأوروبا وخاصة بفرنسا إلاّ أنّ سلطة الاحتلال منعتهم من تحقيق طموحهم لأنّها لا تريد اطارات تونسية عليا وإنّما فقط متوسّطة توظّفها في الادارة وفي التّرجمة وعطّلت حركة الاصلاح ببلادنا

الفقرة الأولى: التّنوّع الاجتماعي للمصلحين

نلاحظ ايضا انّ المصلحين ينقسمون اجتماعيا الى صنفين يتكوّن الصّنف الأوّل من بعض كبار مسؤولي الدّول ويتكوّن الصّنف الثّاني من بعض المفكّرين من خرّجي جامع الزّيتونة و ينقسم الصّنف الاوّل بدوره الى ثلاثة فئات و تتكوّن الفئة الاولى من بعض البايات و تتكوّن الفئة الثّانية من بعض الوزراء وتتكوّن الفئة الثّالثة من بعض ضبّاط الجيش خرّجي المدرسة الحربية

أ) الصّنف الاوّل

1- فئة البايات

لقد بادر بعض البايات بالإصلاح على غرار حسين باي الذّي أنشأ نواة للجيش النّظامي في تونس وأسّس المكتب الحربي واحمد باي الذّي  حوّل هذا المكتب  الى المدرسة الحربية و أصدر أمرا عليّا بتحرير الرّق وقد كان قبل اصدار ذلك الامر منع تصدير العبيد من تونس ومنع بيعهم في اسواقها و أيضا محمد باي الذّي اصدر عهد الأمان سنة 1857 و أمّن فيه الرّعية و سكّان المملكة في أبدانهم وأعراضهم وأموالهم  وكذلك محمد الصّادق باي الذّي أظهر في بداية حكمه تحمّسا للإصلاح فأصدر دستور 1861 لكن اثر ثورة علي بن غذاهم أوقف العمل بأهمّ المؤسّسات الدّستورية مثل المجلس الأكبر

لقد كانت غاية هؤلاء البايات من مبادرتهم الإصلاحية تثبيت ملكهم فقد ايقنوا انّ الغزو الخارجي يهدّدهم إذا لم يستجيبوا لضغط الدّول الاوروبية التّي كانت تطلب منهم اصدار تشريعات تحفظ مصالحها ومصالح مواطنيها ببلادنا خاصة و أنّ الجيش الفرنسي كان يرابط على حدودنا الغربية بعد أن احتلّ الجزائر

2- فئة الوزراء

يمثل بعض الوزراء الفئة الثّانية من مصلحي الصّنف الاوّل وكانت غايتهم فعلا اصلاح البلاد والخروج بها من التّخلف على غرار خيرالدّين باشا الذّي تولّى رئاسة المجلس الأكبر و رئاسة الحكومة وبعد أن تخلّى عن السّياسة ألّف كتابه « أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك » الذّي انتقد فيه الحكم المطلق ودعا الى الاخذ من الغرب بأسباب التّقدم

3- فئة ضبّاط الجيش

و يمثل الفئة الثّالثة من مصلحي الصّنف الأوّل بعض ضبّاط الجيش خرّجي المدرسة الحربية على غرار الجنرال  حسين الذّي يصفه المؤرخ الهادي التّيمومي بأنّه  » شديد الايمان بالتّسامح الدّيني رغم دفاعه المستميت عن الاسلام  » و بانّه » كان مناصرا متحمّسا للنّظام الجمهوري ولم يكن فقط من المطالبين بالحكم الدّستوري » (1).

ب) الصّنف الثّاني: المفكّرون

و يتكوّن صّنف المصلحين الثّاني من بعض المفكّرين من خرّجي جامع الزّيتونة على غرار محمد بيرم الخامس ومحمود قبادو  و سالم بوحاجب وأحمد بن أبي الضّياف الذّي كان هو أيضا  وزيرا لكن غلبت عليه صفة المفكّر والمؤرّخ بسبب كتابه  » اتحاف اهل الزّمان بأخبار ملوك تونس وعهد الأمان  » الذّي انتقد فيه بشدّة الحكم المطلق وفضّل عليه الملك المقيّد بقانون وهو الذّي يتصّرف صاحبه  » بقانون معلوم معقول في سائر أموره لا يتجاوزه ويلتزم العمل به عند البيعة ويؤكّد ذلك باليمين فإذا تعمّد مخالفته انحلّت بيعته من الأعناق » (2)وقد تجسّم هذا المبدأ في الفصل التاسع من دستور 1861 .

الفقرة الثّانية: صلة الإصلاح بأوروبة الغربية

نلاحظ أن المدرسة الحربية كانت في البداية مكتبا حربيا اسّسه باي تونس حسين باي و طوّره احمد باي وحوّله الى مدرسة حربية تتمثّل مهمّتها في تخريج اطارات عليا للإدارة التّونسية و ضبّاط للجيش التّونسي الذّي سعى البايات بعد ذلك  الى تحويله الى جيش نظامي على النّمط الغربي

انّ الاصلاح عند العرب والمسلمين في القرن التّاسع عشر وثيق الصّلة بعلاقتهم بأوروبا الغربية التّي تفوّقت عليهم عسكريا وعلميا وتكنولوجيا و قد أصبحت الدولة العثمانية غير قادرة على حماية حدودها الترابية والبحرية وتتالت هزائمها العسكرية. لقد دفعت  هذه الهزائم المتتالية بعض قادة الدول في البلاد العربية والاسلامية وبعض مفكّريها الى اليقين بان دول اوروبا الغربية تفوّقت عليهم  وأنّه يجب الاقتباس منها لا سيّما فيما يخصّ تنظيم الدولة سياسيا واداريا وتنظيم الجيش وتدريس العلوم الصّحيحة فأرسلت مصر طلابا الى فرنسا لتلقّي العلوم و استقدم بايات تونس  الاساتذة من اوروبا للتدريس بالمدرسة الحربية. وقد حصل اتّفاق ضمني بين قادة الدّول العربية والاسلامية وبين نخبة هذه الدول على ضرورة الاقتباس من الغرب في جلّ مجالات الحيات السّياسية والاجتماعية والاقتصادية

رغم ذلك لم  يكن الاقتباس من الغرب مطلقا فقد سعى المصلحون الى الأخذ من أوروبا الغربية ما لا يتعارض  مع الاسلام أو ما يعتبرونه لا يتعارض معه وفي هذه المسألة جدّ  اختلاف في وجهات النّظر بين المصلحين ،  فالنّظام الجمهوري مثلا  تحمّس له الجنرال حسين بينما اعترض عليه أحمد بن أبي الضّياف وعلّل موقفه بأنّ  » قواعد الملّة الإسلامية لا تقتضي هذا الصّنف الجمهوري » (3).

……………………………………………………………………………………………………………………………………………

(1) يراجع كتاب تونس والتحديث : أوّل دستور في العالم الاسلامي للدكتور الهادي التيمومي الصفحة 133 دار محمد علي للنشر.

(2 ) يراجع كتاب الاتحاف الجزء الأوّل تحقيق الأستاذ رياض المرزوقي الدّار التّونسية للنّشر 1990 النّشرة الثّانية  الصّفحة 43.

(3) نفس المرجع الصفحة


فيديو لحاتم القرمازي الشّاب المسجون لأنّه إخترع صاروخ "تونس حرّة"
الرّقاب/ بالفديو: الأمن يهشّم دكّان مواطن
بالفيديو: راوية علّاقي تروي تفاصيل إعتداء القيّم العام على والدتها
وقفة احتجاجية تطالب بالكشف عن الأطراف المتورطة في قضية اغتيال الشهيد شكري بلعيد
سندس قربوج: لهذه الأسباب يصبح أبناؤنا إرهابيّين
بالفيديو: ومضة تحسيسيّة رائعة
قدماء مناضلي الاتحاد العام لطلبة تونس يهددون بطلب اللجوء السياسي
حمّه الهمّامي يروي لأوّل مرّة ذكريات 14 جانفي 2011 في دهاليز الدّاخليّة (الجزء الثالث)
حمّه الهمّامي يروي لأوّل مرّة ذكريات 14 جانفي 2011 في دهاليز الدّاخليّة (جزء ثاني)

قناة التاسعة ترد ّعلى سامي الفهري

إقرار الحجز الذي نفذّته " الهايكا " ضد قناة "...

رئيس بلدية سوسة يعلن استقالته‎

هيئة حقوق الإنسان: التجاهر بالإفطار ليس...

عدم الترفيع في كلفة القروض السكنية...

الجودي : الترفيع في نسبة الفائدة المديرية...

سعيدان : الترفيع في نسبة الفائدة المديرية ...

مصدر نقابي من الجامعة العامة للبنوك يعلق ...

أصوات غريبة على سطح المريخ

رجة أرضية بمنطقة القطار من ولاية قفصة،

اكتشاف كوكب عملاق خارج نظامنا الشمسي قد...

رجة أرضية شرق جزيرة قوريا من ولاية المنستير

وفاة المفكر السوري طيب تيزيني

شبه مريب بين مسلسل "المايسترو " وفيلم فرنسي...

الإصلاح في القرن التّاسع عشر في تونس : هل...

رفيف الكلام " بقلم عمار جماعي ( الخال ) "جمر...