Quantcast

الفرد والسلطة : في ميكانيزمات الطاعة العمياء او الولاء اللامشروط بقلم طارق أمين

 

كيف ترضى الشعوب أن تنحر تحت شعار بالروح والدم نفديك؟ كيف يتحول الفرد من كائن واع وعقلاني إلى آخر مسلوب الإرادة والتفكير بمجرد انخراطه في الجمهور؟ و كيف له أن يضع كل طاقاته الروحية وكل خضوع إرادته في خدمة قضية ما أو شخص ما ؟وكيف يجعل من مصلحته الشخصية قربانا على مذابح المصلحة الجماعية؟

نحن نعيش عصر الجماهير بامتياز ذلك ما يقره اغلب منظري التحليل النفسي الاجتماعي على غرار غوستاف لوبون إذ أن  الشارع والفضاء العام قد تحولا إلى مجالس تحسم فيها قرارات الأمم و مساراتها التي تكتب فيها لحظاتها التاريخية بكل  تمفصلاتها وجزئياتها إذ يقول أننا نجد قوة الجماهير هي القوة الوحيدة التي لا يستطيع أي شيء إن يهددها وهي القوة الوحيدة التي تزداد هيبتها باستمرار (1 )  ولعل هذه القوة والهيبة الوقادة التي اكتسبتها الجموع  هي العنوان الأكبر الذي أصبح يسم العصر الحديث  عصر الطبقات الشعبية بامتياز هذه الطبقات التي جعلت من الشوارع سبيلا لتبرير شرعية وجود أناتها الجمعية التي أصبح لها ما تقوله إزاء كل ما يتعلق بمصلحتها المشتركة وكينونتها الجمعية.

إن تفكيرنا بسيكولوجيا الجماهير والميكانيزمات التي من خلالها تصدر قراراتها والتي تكون وعيها الجمعي لا يكون إلا من خلال تفكيكنا أولا للآليات التي تشتغل وفقها سيكولوجيا السلطة في عالمنا المعاصر .تلك السلطة التي لم تعد قائمة فقط على القوة والعنف لنزع الاعتراف وإنما هي السلطة القادرة على جعل الذوات السياسية تطبع مصادقتها تلقائيا عليها وتصدح بقبولها لها دون أي اكراهات.هنا يتحدث جون كينث جالبريث في مؤلفه تشريح السلطة عن وجود ثلاث كيفيات لممارسة السلطة أولى قصرية تقوم على العنف القهري وثانية تعويضية أي عبر عرض مكافأة  للفرد الذي يتقبل الخضوع وأخرى تلاؤمية من خلال تبادل الرأي عن طريق الإقناع.

إن السلطة ورغم وجود اختلاف في كيفيات ممارستها فإنها تسعى دوما إلى بسط كامل سيطرتها على الجموع وسلب إرادتهم وتدريبهم على  سياسة  الطاعة العمياء والإيمان المقدس لذلك هي تعمل على تفعيل الجانب البناء في الايدولوجية التي تقوم عليها والتي تخدم مصلحتها مصلحة الزعيم القائد إما عن طريق العنف والإكراه مثلما هو في الأنظمة الشمولية أو الكليانية كالفاشية والنازية أو الأنظمة التي تقوم على حكم المؤسسة العسكرية أين تتفشى الخطابات التعبوية  المضطلعة بوظيفة عسكرة المجال العام والحياة العمومية وإما عن طريق جعل الجماهير تنتج تلقائيا إيمانها الضمني بفعاليات السلطة وأيديولوجيتها تلك الايدولوجيا  اللاعفوية المفارقة لما تعيشه الفئة أو المجموعة أو الطبقة من أوضاع اقتصادية أو اجتماعية قاهرة  ولعل هذا  ما وسم الشارع العربي من النصف الثاني من القرن العشرين إلى اليوم .يساعدنا هنا كل من منهج التحليل النفسي والجماعي على فهم طبيعة هذه الطاعة وهذا الولاء الذي جرد الفرد من وعيه الخاص ومن كينونته  وصيره إلى مجرد رقم داخل لعبة الطاعة العمياء والانقياد اللاإرادي .في كتابه سيكولوجيا الجماهير يذهب غوستاف لوبون إلى وصف الجماهير في حالة تجمعها وغضبها كونها ابعد ما تكون عن التفكير العقلاني الواعي مما ينذر بخراب الحضارات وأفولها إذ يقول لقد كانت الانهيارات الكبرى للحضارات القديمة تمثل الدور الأكبر الذي لعبته الجماهير حتى الآن فالجماهير لديها السلطة لتدميرها  فقط (2 )  فكما أن روح الفرد حسب رأيه تخضع لتحريض المنوم المغناطيسي الذي يجعل شخصا ما يغرق في النوم فان روح الجماهير تخضع لتحريض الزعماء والقادة الذين يبسطون كامل إرادتهم على الفرد باعتبار الجهاز السلطوي مبثوث في كل أركان المجتمع ومتفشي فيها .  هذا الفرد  ما إن  يفتح نوافذ انيته الخاصة و ينخرط في الجماعة   حتى يصبح مستعدا لتقديم كل أنواع التنازلات دون أي مقاومة ليطبع هويته داخل الفئة أو الطبقة و يحصل على  موافقتها الجمعية لدخول زمرتها  وهنا تذوب كل خصائصه وملامحه المحددة لهويته الفردية بتغير تركيبته النفسية  وهنا يقول فرويد في كتابه علم نفس الجماهير وتحليل الأنا هي تغييرات تطال نشاطه النفسي فتتضخم عاطفيته ويتقلص نشاطه الفكري وينكمش ذلك أن الجماهير تشتغل وفق نمط جمعي لا شعوري يفقد فيه الفرد كل خصائصه الذاتية بعد أن ذابت كفاءته العقلية وأسسه الروحية في الروح الجماعية (3) ولعل هذا الانصهار والذوبان اللاإرادي لشخصية الفرد داخل الكل الاجتماعي بكل ميكانيزماتها نتيجة حتمية لتلك العلاقة التنويمية بين الجموع والقائد السياسي الذي يسعى لإخضاع الكل إلى إرادته الفردية  وهنا يجنح القائد أو الزعيم إلى استغلال مختلف الأنظمة الرمزية من لغة وصورة أو دين لامتصاص روح الجماعة وسلب وعيها الجمعي واستغلال سذاجتها وخضوعها لشتى أنواع المحرضات لتقديم إيديولوجيته كحقائق مطلقة تنزل إلى مرتبة القداسة وهنا تذوب روح الجماهير الثورية داخل هذا الإيمان المخصوص بفعاليات الزعيم  فالإنسان المعاصر  اليوم  لا يصبح متدينا  فقط  بعبادة اله أو آلهة  ما بل أيضا  عندما يسخر كل مؤهلاته النفسية والعقلية في خدمة هذا القائد ومقدما له كل التنازلات دون اية مقاومة تذكر إما هذا الزعيم  الذي مارس شتى أنواع الإخضاع لامتلاك الشارع وانتزاع الموافقة الجمعية على إيديولوجيته باعتبارها مصدر القرار الجمعي.

إن السياسي يسعى دوما إلى امتلاك النخب الرمزية من صحافيين وفنانين ومثقفين لامتلاك الخطاب العام و إعادة إنتاجه وفق طريقته المخصوصة وهنا يلعب هذا الخطاب دوره في إنتاج الظلم الاجتماعي وتعزيز أشكاله في المجتمع فالخطاب راس مال الزعيم الرمزي الذي من خلاله يمارس سلطته ويشرعنها ويحافظ عليها وهذا الأمر لا يعبر عن قوة سلطة الزعيم في الحقيقة بقدر ما يعبر عن هشاشة هذه السلطة واحتضارها لذلك فهي تحتاج دوما إلى إعادة الإنتاج والتحيين لتبقى حية .

هكذا نأتي إلى إشكالية مهمة في فكر غرامشي وتحليله  للهيمنة وهي كيف تتم إعادة إنتاج الإيديولوجيات

و كيف يمكن أن يتصرف الناس على خلاف إرادتهم الحرة لمصلحة أصحاب السلطة. يعود صاحب كراسات السجن في إطار سؤاله هذا الذي في إطار البحث عن  آلية تحقيق الثورة الاشتراكية في دولة غربية رأسمالية  و هي ايطاليا يعود إلى تاريخ أوروبا وما شهدته من صراع عنيف مع المؤسسة الكنسية البابوية  التي عملت على تخدير عقول  الجماهير  تحت مفهوم إن  البابا حين يقول فهو ينقل عن الرب ليؤكد  على قدرة أي طبقة سياسية على السيطرة على الحكم بقدرتها على تكوين هيمنة ثقافية خاصة بها تسيج الواقع وتحتضن العقول  لذلك تحرص هذه الطبقة على إقامة الاتحادات والأحزاب والجمعيات اي البنى الفوقية كما يصطلح عليها غرامشي و كل هذه  المؤسسات  خاضعة  لسيطرة هذه السلطة ومتبنية رؤيتها للعالم وللتاريخ   بخلقها نوعا من التفكير الوهمي المفارق والمزيف للواقع

إن هذه الهيمنة  التي يمارسها الحاكم على البنى الفوقية للمجتمع والتي يسعى من خلالها إلى افتكاك قبول الأغلبية وان لم يكن ذلك عبر الإكراه التعسفي كما في الأنظمة الديكتاتورية فإنها تعمل على نشر ما يسميه كارل مانهايم الوعي الزائف الغير مطابق  للواقع أو لعله هو الوعي المؤدلج الذي تحدث عنه عبد الله العروي حين صارت الادلوجة تعني مع الثورة الفرنسية مجموعة الأوهام التي يستغلها الرهبان والنبلاء ليمنعوا عموم الناس من اكتشاف الحقيقة  (4) فإيديولوجيا الزعيم لا تنشا عفويا مثل بقية الإيديولوجيات بل يؤسس لها نظريا ويقع تبريرها عبر أجهزة السلطة .

إن الفرد بدخوله الفضاء العام وانخراطه في الحراك الجماهيري  يفقد كل ما به يكون المواطن مواطنا إذ يتنازل عن كل حقوقه الذاتية تجاه السلطة   فيصبح أشبه بريشة تذروها الريح في يوم عاصف  بعد ذوبان جميع خصائصه الذاتية داخل الروح الجمعية الوقادة و تلك الروح ما أن تقع تحت جملة المحرضات التي يمارسها السياسي على الجموع حتى تتحول إلى مجرد قطيع مروض على الطاعة والخضوع.

خروج المواطن العربي إلى الشارع ورفعه لشعارات من قبيل degageو ارحل تجسيد لمرحلة ما من الوعي ورغبة منه في إعادة كتابة واقع جديد متعدد الأبعاد على أنقاض أنظمة ديكتاتورية عملت على احتكار الفضاء العام بشتى أنواع الإخضاع من العنف الممنهج إلى الهيمنة الفكرية والثقافية لكن هذا الوعي ما إن تحول من طابعه الفردي إلى آخر جمعي حتى تقلص وتلاشى وكل ما تبقى منه هو قوة عنف تدميرية ذلك أن الأنظمة السياسية التي خرجت إلى سدة الحكم في الأثناء لم تكن اقل سوء من التي سبقتها حيث عملت في البدء على تبني معظم الشعارات التي رفعتها الجموع من حرية وعدالة وكرامة لتخرج بثوب المهدي المنتظر والبديل المنقض لسلب ثقة الجموع ثم عملت في مرحلة لاحقة على محاولة السيطرة على الشارع و الفضاء العام بشتى محاولات الإغراء التي مارستها لكسب ود النخب الرمزية وتحويلها في خدمة ايدولوجيتها والسيطرة على البنية الفوقية للمجتمع عبر جل ما بعثته من منظمات نقابية وجمعيات وغيرها من التمظهرات الجمعية للوعي المؤدلج وهكذا لم يعد أمام الشعوب العربية من خيار ثان سوى الانقياد الأعمى وراء هذه الشعارات الزائفة الرنانة وترديدها والإيمان بها والعودة إلى النقطة الصفر وتدريب أناملهم لعزف سيمفونية القائد فليست الدولة إلا كمامة الهدف منها هو جعل  الإنسان هذا الحيوان الضاري مسالما وتحويله إلى حيوان عاشب (5)

 

هوامش

(1) غوستاف لوبون سيكولوجيا الجماهير ترجمة وتقديم هاشم صالح ,دار الساقي بيروت1991 ص ص54 55

(2) نفس المصدر ص 57

(3) سيغمون فرويد  علم نفس الجماهير وتحليل الأنا ترجمة وتقديم جورج طرابيشي, دار الطليعة للطباعة والنشر بيروت ص15

(4) كارل مانهايم الايديولوجيا واليوتوبيا: مقدمة في سيسيولوجيا المعرفة ترجمة وتقديم محمد رجاء عبد الرحمان الديرينيى شركة المكتبات الكويتية ط1 1980 ص 350

( 5) شوبنهاور العالم ارادة وتمثل ص 1340

 


فيديو لحاتم القرمازي الشّاب المسجون لأنّه إخترع صاروخ "تونس حرّة"
الرّقاب/ بالفديو: الأمن يهشّم دكّان مواطن
بالفيديو: راوية علّاقي تروي تفاصيل إعتداء القيّم العام على والدتها
وقفة احتجاجية تطالب بالكشف عن الأطراف المتورطة في قضية اغتيال الشهيد شكري بلعيد
سندس قربوج: لهذه الأسباب يصبح أبناؤنا إرهابيّين
بالفيديو: ومضة تحسيسيّة رائعة
قدماء مناضلي الاتحاد العام لطلبة تونس يهددون بطلب اللجوء السياسي
حمّه الهمّامي يروي لأوّل مرّة ذكريات 14 جانفي 2011 في دهاليز الدّاخليّة (الجزء الثالث)
حمّه الهمّامي يروي لأوّل مرّة ذكريات 14 جانفي 2011 في دهاليز الدّاخليّة (جزء ثاني)

قضية الكوكايين بميناء حلق الوادي: بطاقة...

نقابة الصحافيين : "اعتداء سافر على الصحفيين...

حادثة الدهس في قصر هلال: توجيه تهم القتل...

قصر هلال : وفاة شخص وإصابة 4 شبان جراء عملية...

تونس تواجه فجوة في الميزانية تقارب 1ر5 مليار...

تقلص عجز ميزان الطاقة الأولية لتونس بنسبة 12...

"من الصعب إتمام ميزانية الدولة لسنة 2021...

قريبا، افتتاح وحدة جديدة لتعليب المياه...

رجة أرضية في قفصة

رجة أرضية في المرناقية

خسوف كلّي للقمر الأربعاء المقبل

العلماء يعثرون على آثار لمواد "غير أرضية" في...

الدورة 32 لأيام قرطاج السينمائية : قائمة...

الهادي التيمومي وسفيان بن فرحات يتوّجان...

آدم فتحي ، الشاعر الذي عشق إميل سيوران بقلم...

الإعلان عن الفائزات بالجائزة الوطنية زبيدة...