Quantcast

القائد حسن الزارعي : من سيرة بطل رحل وعزّ عن الفناء ! بقلم خالد كرونة

         « إنّك تتجنّبُ الاختيار، حين تختار الطريق السهلة » (همنغواي)  

أيّها القائد اليطل : ماذا ترانا نقول بمناسبة أربعينيّتك ؟

أنّى للكتابة أن تفِيَ الراحلين من طينتك بعض حقّهم على أهل هذا البلد ؟

ماذا عسانا نقول وكُتبُ أطفالنا ما تزال ظامئة إلى صوركم كي ترصّعها بعد أن كتبتم بنور الأحداق سِيرا كان ينبغي أن تسكن وجدانهم و تنطبع في قاع كيانهم ؟

أربعون يوما مرّت على رحيلك الهادئ بعد حياة صاخبة.   جئتَ هذا العالم ذات 19 ماي سنة 1935 وفتحت عينيْك صبيّا على فتنة قريتك « البوع » قريبا من مزونة سيدي بوزيد المعطاء .. لم تكن بحاجة إلى مدارج الجامعات كي تنبت فيك شجرة عشق الوطن الأبديّة.. أحببت الأرض التي ولدتك فقضيت العمر تُحبلها أملا و تسقيها فيض قلبك الكبير و جسارتك النادرة .

كنتَ في طور اليفاعة لمّا تجاوز السادسة عشر حين ضجّت أشواق قلبك المرهف إلى حرّية بلدك .. ومضيتَ في طريق صعبة سلاحك إيمان عميق بعدالة قضيّتك ، قضيّة تونس وقضيّة سائر شعوبنا التي داستها أقدام الغزاة ..

لست أنسى التماع عينيْك في أحد لقائيْن جمعاني بك وأنت تخبرني في إجلال عن المقاوم « عمّار البنّي » الذي شرّف المقاومة التونسية حين ضمّك إليها سنة 1951 قبل أن تجاهد تحت إمرة المجاهد « الطاهر الأسود » . أدرك تماما معنى أن يُحرم « طفل كبير » كُنتَه وقتها من عيش كريم في وطن حرّ . ولا يفجؤني بعدما علمت منك و من أصدقائك جَلدُك و صبرك على الصعاب ..

ضلّت تفاصيل ما حدثتنا به طريقها إلى ذاكرتي . ولكنّني لا أنسى بعض ما همستَ به في فخر عن عمليات المقاومة ابتداء من 1952 في جبل قارة حديد و لا أنسى حديثك المسهب عن عملية نسف مقر « اليد الحمراء » بالعاصمة ولا اعتزازك بإحكام عمليّة نسف محطة الكهرباء بصفاقس بعد عمليّة بطوليّة تمّ خلالها تدمير ثكنة الجيش الفرنسي هناك .

تحوّل القائد بعدئذ إلى جبل العيون في القصرين مع ثلّة من أبطال تونس أمثال أحمد الأزرق و بلقاسم البازمي من الذين استوطنوا الأودية و الجبال بعد أن بات عددهم يربو وفق ما يروي القائد عن 3000 مقاوم .

وفي شهر رمضان سنة 1952 ، يوم 24 ماي اغتالت « اليد الحمراء » الأخوين عليّ و الطاهر أولاد حفوز، فتطوّعتَ لتثأرَ لهما ..

يحدّثك القائد « حسن الزارعي » في فخر عن تصفيته قاتلهما المجرم الفرنسيّ « آلان » بمسدّسه . يحدّثكَ في أناة عن العمليّة وقد ملأه إحساس بنخوة متجدّدة ينبع من شعوره بواجب الثأر للشهيديْن ، ومن وعي عميق بأنّ الظفر بالحرّيّة وردّ الغزاة و قهر البغاة كان يحتاج جراءة الأبطال و نكران الذات وهي خصال الراحل التي يشهد له بها كلّ معارفه .

من ميدان الشرف، إلى سجن غار الملح .. فالمنفى ..

لأنّ القائد كان من الوطنيين « اليوسفيين » الذين رفضوا إلقاء السلاح بعد « بروتوكول الاستقلال » ، ولأنّه كان و رفاقَه وخاصة « الطاهر الأسود » من الأشدّ إيمانا بأنّ القتال لا ينبغي أن يتوقّف إلا بعد تحرير الجزائر، طلبت منه القيادة إبلاغ رسالة مكتوبة إلى القائد النقابيّ أحمد التليلي . دخل العاصمة متخفّيا و سلّم الرسالة ، ولكنّه اعتقل بعد ساعة من اللقاء ، و حاكمته « دولة الاستقلال » التي قضت بسجنه مدى الحياة وأودعته حبس « غار الملح » .

ما أوجع ما أحسّ به القائد سنوات حبسه . كان كالهارب من الموت إلى الموت . فعلت به « دولته » أفظع ممّا فعلت به دولة الاحتلال. ولكنّ سجّانيه نقلوه إلى المستشفى بعد أن أوهمهم باعتلاله ..  كان يضحك من غفلتهم وهو يحدثك قصة هروبه من السجن.

هناك باشره طبيب جزائريّ ، صارحه القائد بالحقيقة في جسارته المعهودة .. فمدّد الطبيب إقامته وأوهم مصالح السجون أنه خضع إلى عملية جراحيّة .. ولكنّ العمليّة الحقيقيّة كانت التعلّق بأغطيته بعد أن شدّها إلى بعضها على هيأة حبل يتدلّى به ليفرّ من النافذة راجلا باتجاه الجزائر أين لقي رفاق السلاح في أواخر مشوار حرب التحرير التي انتهت بالاستقلال سنة 1962 . وقتها، كان عليه الرحيل إلى مصر بعد أن طلب اللجوء لأنّ « الزعيم » بورقيبة كان أسّس « لجان الرعاية » التي لا تنفك تلاحق اليوسفيين وتطاردهم هناك أيضا..

في مصر، قضى 27 عاما في منفاه هاربا من بطش « المجاهد الأكبر » .. احتضنته القاهرة وأكرمه زعيمها عبد الناصر، ومنحته مصر شريكة العمر التي رافقت رحلة حياته ليعود إلى تونس سنة 1988بعد اعتلاء « الجنرال » سدّة الحكم ..

بمرارة يحدّثك القائد أنّه قضى العمر و »دولته » تدير له الظهر ولا تعترف بجهاد خيرة أبنائها .. شكرا لمصر التي منحته الأمان، وشكرا للجزائر التي أسندت إليه طيلة حياته جراية من « وزارة المجاهدين » و منحته « بطاقة علاج » ضنّت بها عليه تونس التي منحها زهرة شبابه بل حياته بأسرها .

بعد 2011 ، كان حُلمه الذي سكنه أن يؤدّي مناسك الحجّ مع رفيقة العمر.. أتذكّر أنّني بحكم وظيفتي الإعلامية ، تمكنتُ من إبلاغ طلبه مكتوبا إلى مصالح القصر الجمهوريّ أيّام الرئيس المؤقت « المرزوقي ». ورغم كوم الوعود خذلته دولته مجددا ..

واليوم، بعد أن رحل « القائد » العروبيّ واقفا كالأشجار ساعة موتها، في 25 مارس 2020 الحزين، تخنقنا العبرة مجدّدا ونحن نرى المتسلقين ولصوص التاريخ ينطّون هنا و هناك .. ما أعمق ابتسامتك يا « قايد » حين حدثتُك عن « ثوار 15 جانفي » ذات عشيّ أضيافا في صفاقس على صديق خلوق هو طبيب الأسنان ،الدكتور « ع. ع « ! وما أبلغ تعليقك يومها متفكها : « سيُقلعون كما يفعل صاحبنا بالأضراس إذا نخرها السوس » ..

ما زال وسام المقاومين الذي وشّحتك به الجزائر عرفانا و تقديرا يغيظ خصوم هذا الوطن من أبناء جلدتك، وما زال أمارة جحود تونسية فاجعة تدمينا .. لأنّ الشعوب التي لا تكرم أبطالها،ما تزال بعيدة عن الظفر بمنزلة تحت الشمس !

وداعا أيّها القائد .. لك الرحمة و السكينة ..   والخزي والعار للطغاة و للبغاة !

 

         خالد كرونة ــ كاتب من تونس

 

 

 


فيديو لحاتم القرمازي الشّاب المسجون لأنّه إخترع صاروخ "تونس حرّة"
الرّقاب/ بالفديو: الأمن يهشّم دكّان مواطن
بالفيديو: راوية علّاقي تروي تفاصيل إعتداء القيّم العام على والدتها
وقفة احتجاجية تطالب بالكشف عن الأطراف المتورطة في قضية اغتيال الشهيد شكري بلعيد
سندس قربوج: لهذه الأسباب يصبح أبناؤنا إرهابيّين
بالفيديو: ومضة تحسيسيّة رائعة
قدماء مناضلي الاتحاد العام لطلبة تونس يهددون بطلب اللجوء السياسي
حمّه الهمّامي يروي لأوّل مرّة ذكريات 14 جانفي 2011 في دهاليز الدّاخليّة (الجزء الثالث)
حمّه الهمّامي يروي لأوّل مرّة ذكريات 14 جانفي 2011 في دهاليز الدّاخليّة (جزء ثاني)

تسريب اختبار الفلسفة الخاص بتلاميذ شعبة...

منوبة : السيطرة على الحريق الهائل في محيط...

أكثر من 133 ألف تلميذ يشرعون اليوم في اجتياز...

تطاوين : إضراب عام في المنشآت البترولية...

البنك المركزي التونسي يقرر الابقاء على...

بشير بوجدي : ضرورة التسريع في فتح المقاهي...

إعادة فتح محلات بيع الملابس: ما هي الشروط ؟

بسبب تعفن صابة البطاطا: فلاحو جندوبة يوجهون...

حدوث خسوف شبه ظل جزئي للقمر الجمعة

أستاذ في علم الفيروسات: الكلاب والقطط تنقل...

علماء الفلك يؤكّدون أن المجال المغناطيسي...

ناسا: كويكب ضخم يتجه نحو الأرض يوم 29 أفريل...

إطلاق إسم الراحل الشاذلي القليبي على مدينة...

مجلة " الحياة الثقافية " تعود إلى الصدور.....

توقيع رواية "عشتار، سيّدة الأسرار" لحياة...

رحيل المخرج صلاح الدين الصيد