Quantcast

انتبه خطر: الشعبويّون المتلاعبون يستولون على تونس..!

 

بقلم مصطفى القلعي

 

إنّ ملامح الصورة المستقبليّة التي ترشح للمتابع للشأن العام في تونس صورة قاتمة لا تبشّر بخير. فالمشهد يملأه الشعبويّون (قيس سعيّد) والنيوليبراليّون القدامى (نداء تونس ومشروع تونس) والجدد (نبيل القروي) أصحاب المال والثروات والمصالح، ويحافظ فيه اليمين الديني ممثّلا في حركة النهضة بموقعه وحصّته من توقّعات الناخبين ونوايا التصويت. ويتصاعد بروز أحفاد الديكتاتوريّة (عبير موسي وحزبها الدستوري الحرّ) وتتوسّع رقعة تواجدهم صلب المشهد التونسي يوما بعد آخر.

والملاحظ أنّ الشعبويّة (Populisme)في المشهد السياسي التونسي هي السمة الجامعة بين خطابات وممارسات هذه الأطراف على حدّ سواء من كان منهم في السلطة (النداء وتحيا والمشروع والنهضة) ومن يصبو إليها (الدستوري الحرّ والقروي) بتوظيف الإعلام والاجتماعات الجماهيريّة والعمل الخيري والجمعيّاتي والخطب المسجديّة التي لم يتوقّف شأوها رغم تطمينات وزارة الشؤون الدينيّة.

لكن وجب التنبيه إلى أنّهم جميعا ينكرون الشعبويّة ويعتبرونها سُبّة وشتيمة يتأفّفون منها ويرمون بها البقيّة. وهذا مركّب نقص لأنّ الشعبويّة في مظانّها انتماء صريح يقرّ بها متبنّوها ويدافعون عنها ويدعون إليها ويعتبرونها بديلا عن الديمقراطيّة. يقول المنظّر وعالم الاجتماع الفرنسي بيار روزنفالون(Pierre Rosanvallon): إنّ « الحركات الشعبويّة لا تقدّم نفسها باعتبارها نقدا للديمقراطيّة بل تقدّم نفسها على أنّها جيل جديد لتجديد الديمقراطيّة ».

روزنفالون يعتبر أنّ « الديمقراطيّة هي جملة من الانتظارات وجملة من تحسّسات الطريق في الظلام ». ولكنّ الشعبويّة دليل على أزمة الديمقراطيّة. وفسّر ذلك بأنّ الديمقراطيّة تتجسّد في الانتخابات التي تحيل إلى ثلاث وظائف كبرى هي الوظيفة التمثيليّة ووظيفة إضفاء الشرعيّة ووظيفة الرقابة. يقول: « للانتخابات ثلاث وظائف ديمقراطيّة كبرى؛ هي آليّة لإنتاج تمثيليّة المجتمع وآليّة لإنتاج شرعيّة السلطة وآليّة للرقابة على المنتخَبين. » لكنّه يرى الوظائف ثلاثتها متدهورة اليوم. يقول: « لكن في الوظائف الثلاث أي الوظيفة التمثيليّة ووظيفة الشرعيّة ووظيفة الرقابة هناك تردٍّ. »

من هنا تطلع الشعبويّة وتنتشر بسرعة أي أنّ تردّي الديمقراطيّة هو الأرض الخصبة التي تنمو عليها الشعبويّة وتزدهر. وكان الوجه الأوّل والساحة الرئيسيّة للديمقراطيّة أي مجلس نوّاب موطن الشعبويّة منذ نوفمبر 2011 تاريخ انتصاب المجلس التأسيسي إلى اليوم، حيث انتشرت السياحة الحزبيّة والبرلمانيّة وراجت عمليّات البيع والشراء والسمسرة ومشاهد العراك والشتم والتطاول وقلّة الأخلاق. هذه السمات شيّأت الديمقراطيّة وأنزلتها من عليائها وأفقدتها سموّها. وهو ما زاد الشعبويّين القائمين شعبويّة (النهضة وتحيا المشروع والنداء) وأطمع الشعبويّين (القروي وموسي) في الالتحاق بحفلة الشعبويّة.

غير أنّ الخطر لا يتوقّف هنا. فمنظّرو الفكر السياسي والاجتماعي المعاصر يربطون انتشار الشعبويّة بالتلاعب (Manipulation). والتلاعب، كما يقول، فان ديك (Teun A. van Dijk) »أمر غير مشروع في المجتمع فهو يصبّ في مصالح المجموعات القويّة المتنفّذة وأصحاب السلطة والمتحدّثين عنها ويضرّ بمصالح الفئات الأقلّ قوّة وسلطة والمتحدّثين عنها. وهذا يعني أنّ تعريف التلاعب لا يستند إلى نوايا المتلاعبين ولا إلى الإدراك الذي يظهره المتلقّون لهذا التلاعب، بل يستند إلى الآثار أو العواقب الاجتماعيّة لهذا التلاعب ».

إنّ الترابط بين الشعبويّة والتلاعب عمل واع ممنهج مخطّط له من قبل القائمين به. وهو يقوم على مبدإ السيطرة على إرادة الآخرين واستلاب وعيهم عبر ثنائيّة التخويف والتطميع. وأخلاقيّا هذه العمليّة تنتهك المعايير القيميّة الاجتماعيّة والغاية منهما هي الهيمنة والسلطة لا خدمة المواطنين وتحقيق العدالة الاجتماعيّة والرفاه العام. يقول فان ديك: « المقصود بالتلاعب هو الممارسة التواصليّة والتفاعليّة التي تمكّن المتلاعب من السيطرة على الآخرين، وعادة ما تكون هذه السيطرة رغما عن إرادتهم أو ضدّ مصلحتهم. ولمفهوم التلاعب ضمن التوظيف اليومي تداعيات سلبيّة، فقد يكون « التلاعب ممارسة سيّئة » لأنّ مثل هذه الممارسة تنتهك المعايير والقيم الاجتماعيّة » (…) ولا يرتبط مفهوم التلاعب بالسلطة فحسب بل أيضا بسوء توظيف السلطة أي « الهيمنة ». وبنحو أكثر تحديدا، ينطوي التلاعب على ممارسة نمط من أنماط النفوذ غير الشرعي عن طريق الخطاب. فالتلاعب يجعل الآخرين يعتقدون أشياء تصبّ في مصلحة المتلاعب أو يفعلونها وتكون ضدّ المصالح المفضّلة للمتلاعَب بهم. »

هكذا يفعل الشعبويّون المتلاعبون في تونس اليوم مستغلّين حدّة الأزمة الاقتصاديّة وضغط اليوميّ على الشعب. ومن العوامل المساعدة على اكتساح الشعبويّة والتلاعب للساحة السياسيّة والاجتماعيّة التونسيّة هو انكماش القوى التقدّميّة بعد انفجار الصراع صلب الجبهة الشعبيّة وتتالي الطعنات الانفصاليّة الغادرة صلبها بضرب قيمها الرمزيّة وتفكيك كتلتها البرلمانيّة والسطو على شعارهاوالعمل على قتل الصورة الرمزيّة لرمزها الوطني الكبير حمّه الهمّامي في عمل لا أخلاقي ممنهج لا يمكن أن يكون تلقائيّا ونتيجة لصراع داخلي طبيعي أبدا، من جهة، وهفوت النبرة التصعيديّة الانتخابيّة للاتحاد العام التونسي للشغل، من ناحية ثانية.

وإذا لم تتدارك الجبهة الشعبيّة، رمز العدالة الاجتماعيّة وصوت الثورة والثائرين، أمرها ولم تلملم جراحها وترصّ صفوفها من جديد محافظة على صورتها وصوتها المتميّز منتصرة على كلّ الخيانات الداخليّة والخارجيّة، فإنّ الشعبويّين المتلاعبين سيكتسحون السلطة ويتقاسمونها، في البداية، ثمّ يتحوّل الصراع بينهم فيما بعد إلى حرابة حقيقيّة قد تنهي التجربة الديمقراطيّة المدنيّة التونسيّة باعتبار افتقارهم جميعا إلى قيم الثورة والأخلاق والمبادئ الديمقراطيّة التقدّميّة.


فيديو لحاتم القرمازي الشّاب المسجون لأنّه إخترع صاروخ "تونس حرّة"
الرّقاب/ بالفديو: الأمن يهشّم دكّان مواطن
بالفيديو: راوية علّاقي تروي تفاصيل إعتداء القيّم العام على والدتها
وقفة احتجاجية تطالب بالكشف عن الأطراف المتورطة في قضية اغتيال الشهيد شكري بلعيد
سندس قربوج: لهذه الأسباب يصبح أبناؤنا إرهابيّين
بالفيديو: ومضة تحسيسيّة رائعة
قدماء مناضلي الاتحاد العام لطلبة تونس يهددون بطلب اللجوء السياسي
حمّه الهمّامي يروي لأوّل مرّة ذكريات 14 جانفي 2011 في دهاليز الدّاخليّة (الجزء الثالث)
حمّه الهمّامي يروي لأوّل مرّة ذكريات 14 جانفي 2011 في دهاليز الدّاخليّة (جزء ثاني)

المطالبة بإقالة والية نابل

قناة "الحوار التونسي " لن تتقدم بأية شكاية...

الهايكا تدين الاعتداء على الصحافيين كما...

قضية الحوار التونسي والقاضي حمادي الرحماني...

العباسي: تحسّن الدينار ليس ظرفيا

الترفيع في تعريفة الكهرباء والغاز

أسعار النفط تقفز أكثر من 5 بالمائة

عدم الترفيع في كلفة القروض السكنية...

ناسا تلتقط صورة مثيرة لانهيار جليدي على سطح...

جمعية علوم الفلك تردّ على خرافة " اقتراب يوم...

كويكب "يحتمل أن يكون خطيرًا" يقترب من الأرض

اليوم الثلاثاء كسوف كلي للشمس

كفى الناس "الفورماتاج" الميديائي واللعب...

اكتشاف تمثاليْن من الرخام الأبيض في منطقة...

جمعية الدراسات الأدبية والحضارية بمدنين :...

هل يحتفل الإنسان بالموت كما يحتفل بالحياة...