Quantcast

تراث العرب والمسلمين في الأندلس: هل يعتبره الإسبان جزءا من مكوّنات ثقافتهم؟

بقلم علي الجوابي

                     

نظّم معهد « ثرفانتس ـ تونس « التّابع لسفارة اسبانيا بمقرّه بشارع الحرّية يوم السّبت 9 مارس الجاري مائدة مستديرة حول « الثّقافة المرئية – و الثّقافة غير المرئية – لقاءات من هنا ومن هناك » (1) اشتمل اللّقاء على مداخلة للأستاذة إيزابيل موهيدانو سوهم(2) و مداخلة للأستاذة هالة قلّوز وعلى حوار مع الحضور

تطرّقت الأستاذة إيزابيل الى اختلاف الثّقافات بين الشّعوب و أشارت الى أنّها تنقّلت بين بلدان أوروبا وأميركا اللاتينية و لاحظت أن الشّعوب تختلف في خطوتها و انّ اللّغة الاسبانية تختلف في النّطق وفي معنى بعض الكلمات بين اسبانيا وبلدان اميركا اللاتينية النّاطقة شعوبها بها و أشارت الى أنّ الصّورة التّي يحملها شعب عن غيره من الشّعوب هي إحدى مكوّنات ثقافته ولاحظت أيضا أنّ القيم تختلف بين الثّقافات مثل قيم الجمال والقبح و العادي وغير العادي والخير والشّر والنّظافة والوسخ و أعطت مثالا عن الاختلاف بين الشّعوب لمفهوم قيمة النّظافة ونقيضها الوسخ ويخصّ المثال وآل المنديل الورقي بعد استعماله بمسح اليدين والفم به أثناء الاكل حول المائدة ترى شعوب انّ النّظافة تتمثّل في وضعه على المائدة وليس في إلقائه على الأرض بينما تختلف عنها شعوب أخرى ترى أنّ النّظافة تتمثّل في إلقاء المنديل المستعمل على الأرض وليس في وضعه على المائدة التّي يجب أن تبقى نظيفة

وأشارت الاستاذ قلّوز الى أنّ معظم تصرّفات الانسان تخضع للثّقافة و أنّ التواصل بين الثّقافات يتمّ بمعرفة  الانسان بهوّيته الثّقافية و بتعلّمه لغة اخرى غير لغته و بتّعرّفه على ثقافة أخرى غير ثقافته

إنّ تعلّم لغة أجنبية هو عنصر أساسي للتّعرّف على ثقافة الشّعوب الأخرى التّي لم تكن لنا معها روابط تاريخية أمّا الشّعوب التّي كانت لنا معها علاقات على امتداد التّاريخ فإنّ تعلّم لغتها يزيد في أفق التّعرّف على ثقافتها لأنّ التّواصل معها ثقافيا يمرّ عبر معرفة تّاريخ علاقتنا معها  في جميع جوانبها لأن ثقافة كلّ شعب هي حصيلة رواسب تاريخ علاقاته بغيره من الشّعوب سواء كانت علاقة صداقة أو صدام وحرب

إنّ اطّلاعنا على تاريخ علاقاتنا بغيرنا من الشّعوب يمكّننا من معرفة مقوّمات ثقافنا ويسمح لنا بالاطّلاع على مقوّمات ثقافتها و قد يتّضح انّ لنا معها قواسم ثقافية مشتركة او على الأقلّ لها نفس الجذور فبعض مقوّمات ثقافتنا وإن تأصّلت فينا تستمدّ جذورها ممّا جاءنا به الآخر أي الغير

يدرس علماء الآثار جانب الثّقافة المادي فعندما يحفرون و يزيلون الاتربة في موقع اثري يتعرّفون على مختلف الحقب التّاريخية التّي مرّت على المعلم موضوع البحث والدّرس و لا يختلف كثيرا جانب الثّقافة المعنوي المعبّر عنه باللامادي عن جانبها المادي فإذا أزيل الغطاء يتمّ التّعرّف على الجذور التّاريخية للثّقافة و الواردة من الشّعوب الاخرى لاسيّما فيما يخصّ تأثيرها مثلا في العمران و اللّغة و الموسيقى و اللّباس والعادات والتّقاليد

ونلاحظ أنّ ما ورد علينا من اسبانيا يمثّل احد مكوّنات الثّقافة في بلادنا على غرار صناعة الشّاشية و العمارة الاندلسية في بعض المدن التّونسية يقول الوزير المؤرّخ احمد بن أبي الضّياف في كتابه الإتحاف أنّه عندما
قدم الأندلسيون الى بلادنا « أحسن عثمان داي (3) قراهم و أكرم مثواهم وانّس غربتهم وعظّم مقدمهم » و أنّهم  » بنوا بلدانهم المعروفة بهم  مثل سليمان وبلّي ونيانو وقرنبالية وتركي والجديدة و زغوان وطبربة  وقريش الواد ومجاز الباب و تستور والسّلوقية والعالية والقليعة وغرسوا بها الزّيتون وغيره من الشّجر ومهّدوا طرقها لمرور عجلات الكريطة التّي هي من صناعاتهم واعانهم عثمان داي على صناعة الشّاشية  » ولاحظ ابن أبي الضّياف انّه حصل من صناعة الشّاشية « ثروة واسعة لأنّ صناعتها تدير صناعات كثيرة » (4)

وجلب الاندلسيون الموسيقى كالموشّحات الاندلسية و المالوف الذّي يسهر المعهد الرّشيدي للموسيقى التّونسية المعروف باسم الرّشيدية على حفظه وتطويره و يدرّس في معادهنا وجامعاتنا الانتاج الفكري لعظماء الاندلس في مجالات الفلسفة والفقه والادب مثل ابن رشد وابن حزم وابن زيدون

و في العصر الحديث تأثر الانتاج الموسيقي التّونسي بالموسيقى الاسبانية ويطهر هذا التأثر جليا في انتاج  الفنّان المرحوم الهادي الجويني في الاغاني التّي لحّنها كما أنّ للأدب الاسباني حضورا في السّاحة الثّقافية ببلادنا على غرار الشّاعر والكاتب المسرحي فريديريك لوركا  و الكاتب ميغيل ثرفانتس سابيدرا مؤلّف رواية « دون كيخوتي » التّي ترجمت الى العربية  وصدرت في عدّة طبعات منها ما هي مخصّصة للأطفال

يتابع في بلادنا جمهور كبير بطولة اسبانيا لكرة القدم  تمتلئ به المقاهي عندما تبثّ الفضائيات التلفازية مباراة كرة القدم في هذه البطولة أو عندما تبثّ مباراة كرة قدم بين فريق اسباني وفريق أوروبي و يستعدّ أصحاب المقاهي لهذه المباريات و يتنافسون في استقدام الحرفاء ويسعون الى تحسين خدماتهم والى تجويدها فتلك المباريات هي فرصة للرّفع من رقم المعاملات ومن الرّفع في الرّبح  ثمّ إنّ لفريقي ريال مدريد و برشلونة  الاسبانيين محبّيهما لدى الشّباب التّونسي وقد يصل حبّ هاتين الجمعيتين لدى البعض الى درجة العشق

هذه عيّنات من تأثير الثّقافة الاسبانية في بلادنا تاريخا وحاضرا وهو تأثير مردّه علاقة تاريخية تعود جذورها الى قرطاج التّي اسّست موانئ على ضفاف شمال المتوسّط ومردّه  حاليا العولمة التّي جعلت من بطولة كرة قدم لبلد معيّن  مثل اسبانيا حدثا دوليا يتابعه شباب العالم في أيّ مكان من الكرة الأرضية فما هو مدى تأثير الثّقافة العربية الاسلامية في الثّقافة الاسبانية لاسيّما وانّ العلاقات بين بلاد المغرب العربي و بين اسبانيا تواصلت في عديد المجالات حتّى بعد تهجير الاندلسيين منها و في هذا الاطار وجّه أحد الحاضرين السّؤال الآتي: هل  تعتبر ثقافة اسبانية مؤلّفات العرب والمسلمين الفكرية في الأدب والفلسفة والمكتوبة باللغة العربية  والمنتجة أثناء وجودهم في اسبانيا   في الكتب المدرسية ثقافة اسبانية  ؟

لكن تعذّرت الإجابة عن هذا السّؤال وقد ردّت عليه الأستاذة « إيزابيل موهيدانو سوهم « بأنّها ليست مطّلعة على برامج التّدريس و أفادت أنّها بعد قدومها الى بلدنا أدركت من خلال علاقاتها مع التّونسيين انّهم يعرفون عن اسبانيا اكثر ممّا يعرف الاسبان عن تونس

يتجاوزهذا السّؤال كتب التّدريس الرّسمية الى نظرة مختلف فئات الشّعب الاسباني  للتّراث الفكري والعمراني الذّي تركه العرب والمسلمون في اسبانيا بعد تهجيرهم منها هل يعتبره الاسبان  احد مكوّنات ثقافتهم أم يقبله البعض و يرفضه البعض ويعتبره دخيلا ومن انتاج قوّة احتلال؟

……………………………………………………………………………………………………………………………………………1) Culture visible-Culture invisible –Rencontres d’ici et d’ailleurs

2) Isabel Mohedano Sohm

(3) حكم بلادنا من 1598 الى 1610 .

(4) كتاب الاتحاف الجزء الثّاني تحقيق الشّيخ محمّد شمّام النّشرة الثّانية ، الدّار التّونسية للنّشر،1990 ، الصّفحة 35 .


فيديو لحاتم القرمازي الشّاب المسجون لأنّه إخترع صاروخ "تونس حرّة"
الرّقاب/ بالفديو: الأمن يهشّم دكّان مواطن
بالفيديو: راوية علّاقي تروي تفاصيل إعتداء القيّم العام على والدتها
وقفة احتجاجية تطالب بالكشف عن الأطراف المتورطة في قضية اغتيال الشهيد شكري بلعيد
سندس قربوج: لهذه الأسباب يصبح أبناؤنا إرهابيّين
بالفيديو: ومضة تحسيسيّة رائعة
قدماء مناضلي الاتحاد العام لطلبة تونس يهددون بطلب اللجوء السياسي
حمّه الهمّامي يروي لأوّل مرّة ذكريات 14 جانفي 2011 في دهاليز الدّاخليّة (الجزء الثالث)
حمّه الهمّامي يروي لأوّل مرّة ذكريات 14 جانفي 2011 في دهاليز الدّاخليّة (جزء ثاني)

حملة "سيّب القائمة" تتهم الشاهد وبودبالة...

خطة تربوية لفائدة الأطفال ذوي القدرات...

القيروان: الحكم بالسجن 75 عاما على موظف...

جندوبة : تعليق العمل في جميع المحاكم

عدم الترفيع في كلفة القروض السكنية...

الجودي : الترفيع في نسبة الفائدة المديرية...

سعيدان : الترفيع في نسبة الفائدة المديرية ...

مصدر نقابي من الجامعة العامة للبنوك يعلق ...

اكتشاف كوكب عملاق خارج نظامنا الشمسي قد...

رجة أرضية شرق جزيرة قوريا من ولاية المنستير

ظاهرة فلكية نادرة تجمع الزهرة والمشتري في...

الخسوف الكلي لقمر" الذئب الدموي العملاق "...

رفيف الكلام " بقلم عمار جماعي ( الخال ) "جمر...

تراث العرب والمسلمين في الأندلس: هل...

رحيل الأديب محمد الهادي بن صالح

الروائية سعاد الفقّي بوصرصار : الخطاب...