Quantcast

حكومةُ وحيد القرن، ورائحة الأرنب ! يقلم خالد كرونة

 

 

 

  ما يقبض الموتُ نفسا من نفوسهم+++ إلاّ وفي يده من نتنها عودُ  ( المتنبّي)

قبل نحو ستّ وعشرين قرنا ( ق 5 ق م) ، عرض « أريستوفان »  في أثينا ملهاة « الضفادع » ..  لم يكن المسكينُ يحسبُ أنّ ذلك العمل سيُقابل بإعجاب لم تحظَ به غير إلياذة هوميروس.   فبطل المسرحيّة الإله « ديونوسوس » ، وهو إله المسرح، تهفو نفسه إلى زيارة عالم الموتى بعد أن حدّثه « هيراكليس » عن معالم الطريق . واقتضى خطّ سير الرحلة عبور بحيرة « هاديس » في زورق يقوده الملاّح « خارون »  وصادف   أنّ ضفادع كنّ يجتمعن في مستنقع قريب من البحيرة ، فلمّا سمع الرّبّ  » ديونوسوس » نقيقها تحدّاها في المقدرة على الإنشاد وتحوّل الأمر سريعا مباراة غنائيّة تفوّق فيها على الضفادع .  غير أنّ ذلك لم يشفع له عند « أياكوس » حارس قصر مملكة الموتى و إلهها « بلوتون » الذي دفع برجال الشرطة القساة يمنعونه من الدخول .

وأوسع النّاس خيالا ممّن اعتبروا « ضفادع أريستوفان » من النصوص المؤسّسة لما بات يُعرف لاحقا « الأدب الساخر »، لم يجل بخلدهم لحظة أنّ « خارون » سيبعث من جديد في « إفريقيّة » (تونس) ليقود زورق الرحيل إلى الموتى في عهد حكومة وحيد القرن .

صحيح أنّ الضفدع صغير جُرْم، وأنّ الخرتيت (وحيد القرن) ضخم بادنٌ، ولكنّ كليهما لا يصمد أمام « ديونوسوس » .. فوحيد القرن ــ كحكومتكم ـــ ميّال إلى العزلة وهو  حريص ــــ مثلها ـــــ على التمرّغ في الوحْل. فلا شيء يحمي جلد الخرتيت من التشقق غير الأوحال ولا شيء سواها يمنع تساقط شعره .  والأوحال ــــ أكرمكم الله ــــ على ضربيْن: وحْلٌ « مُعتّقٌ  » مرّت عليه عقودٌ وهو من أثر الغدران أو الأنهار ، وآخرُ من تجمّع السّيول التي تدفّقت .. وما من لبيب إلاّ بصُرَ على أيّامنا بذوي الأوحال من رهبان السياسة الجدد وكذا من جماعة أفعال القلوب. ومن عجب أنّ الأوائل يستدعون رمز الحمام فيما يمتح « القلبيّون » من صور السباع و الضواري ..

وممّا يختصّ به وحيد القرن، ويحرص على تعليمه الدّغافلَ (صغاره)  السّيرُ على دروب السّابقين.    فقد زعموا أنّه يترك على الأشجار في الآجام إذا عبرها علاماتِ إرشاد تهتدي بها أجيال متعاقبة في مناطق عيشه.. ويقالُ إنّ حكومتكم « البادنة » بعدما ارتوت من أنهار الإدارة الراكدة، وارتشفت ما طاب لها من مستنقعات البيروقراطيّة الآسنة،أقرّت عامدة نهج الخراتيت في السّير وفق علامات الإرشاد العتيقة.

وحكومتكم معذورة، فهي لا تملك النكوص عن عادات التمرّغ في الوحل المحمودة، مثلما لا تملك بوصلة تهديها طريقا غير سبيل القدماء . وما يبعث فيها الطمأنينة حقّا، أن أُسوتها،وحيد القرن لا تُعرفُ له حيواناتٌ تفترسه، فلا أحد يجرؤ عليه غير بني البشر ( الذين تسببوا بانقراضه في معظم الأقاليم التي كان يستوطنها)، وهذا كاف في رأي « التكنوقراط » ـــ حفظهم الله ـــ لتنزل عليهم السّكينة . وممّا يؤيّد هذا الزّعم، أنّ سكّان « بورما » كانوا يعتقدون أنّ وحيد القرن السّومطريّ يأكل النّار، وأنّه يتّبع رائحة الحرائق والأدخنة إذا تصاعدت لإشباع نهمه إلى ألسنة اللهب .

وحكومتكم الموقّرة لا ترى غضاضة في ارتفاع الأدخنة،ولعلّها لا تخشى أيضا ارتفاع ألسنة اللهب ، فهي تماما مثل الخرتيت ضعيفة النّظر، لا تأبه إلى غير ما تخبرها به حاسّة شمّها . والأبصار العيِيّة ـــــ كما قد علمتم ــــ متصلة بالعين الكليلة، وقد زعمت العرب قديما،و نثر هذا القول الجاحظ أيضا، أنّ أوّل من سمّي « هاشما » إنّما هو جدّ النبيّ الثّاني لأنّه هشم الخبز ليقدّ الثريد بمكّة عام المجاعة ليطعم الحجيج ، ومن مآثره أنّه كنّى نفسه « أبا نضلة » . وأمّا هشام، فقد زعم اللغويّون ـــــ قاتلهم الله ــــ أنّه إنّما اشتقّ من فعل التهشيم، فمن سائر الأمثال ومشهور الأقوال  » لولا هشامك لمات هذا المسكين جوعا » .

وبما أنّ « الخراتيت » ـــــ شأن حكومتكم ـــــ  تميل لا فقط إلى العزلة، بل إلى الصمت أيضاـ، فقلّما عرف النّاس أصواتها، اللّهمّ إلاّ نوعا واحدا منها وهو  » السّمطريّ » ( نسبة إلى جزيرة سومطرة الأندونيسيّة ).. فقد قيل إنّ وحيد القرن لا تصدر عنه غير ثلاث أصوات بعدد تيارات الجبهة البرلمانيّة أيّام الرئيس المرشد أيّده الله (النهضة / قلب تونس/ الائتلاف ) .

أوّلها، وهو الصوت الغالبُ لوحيد القرن  » الإيبُ » وهو ــــ أعزّكم الله ـــ عبارة عن نباح قصير لا يتعدّى مداه الثانية الواحدة ، ولعلّكم ستحزرون بالتأكيد هؤلاء النبّاحين ضمن طائفة المتحالفين،ممّن تكرّمت بهم المقادير على هذا البلد الأمين .

أمّا ثاني الأصوات فيُسمّى صوت الحوت تيمّنا بالحوت الأحدب Megaptera novaeangliae  وبأغنية إنجليزيّة مشهورة تحاكي صوته وأنا موقنٌ أنّ نباهتكم ستهديكم إلى جماعة الحيتان في البرلمان وهي التي تحسنُ الغوص مثلما تحذق النهش بعد أن خبرت حنان « الجنرال » دهرا و انقلبت عليه نُكرا ، فأعملت كلّ نَبْل طلبا لنسمات نُبل ..

وأمّا ثالث الأصوات ــــــ لا حُرمناه ــــــ فهو  « نفخُ الصفير » .. والخراتيتُ تضجّ به إذا أنذَرتْ من هلاك، أو اضطربت في موسم التزاوج إذا أزف وقت النزو. وحتّى إن قالت جماعة بأنّ « نفخ الصفير » قد يبلغ مداه من الكلمترات عشرا، فلا صلة لذلك بالنفخ ولا بالصفير ولا حتّى بأعاصير تُؤذِن بدنوّ أجل مؤتمر يجاوز الرقم 10 لبعض أعمدة جبهة برّ الأمان .

وما دامت « المنقرضات » من الخراتيت تحكمكم ، وما دمتم هانئين بانعزالهم ، وما دمتم تستمرئون  ما يتناهى إليكم من أصواتهم، فلا تعجبوا من عودة « خارون » يَزجي فُلككم ، ولا تقنطوا إذْ رأيتم « أياكوس » يعربدُ أمام محكمة بن عروس،ولا تأْلمنْ من لفح كوفيد واعتصموا بحبل « بلوتون » ربّ الأموات العنيد، ولا تأخذنّكم رأفة بقتيل جرّافة السقوف في « سفيطلة » الرومان ساعة الأسحار، فتلك إرادة الأقدار ، ولا جناح عليكم إن استطبتم طبطبة أبي طبطوب الموهوب، بعدما خبِرَ منذ اليفاعة تقديم القرابين، وعافت نفسه ملاحم اليونان و « ضفادع أريستوفان » .. فلكلّ شيء عنده أوان..

وما دمتم أيّام وحيد القرن، فلا تثريب عليكم إن سخرتم من مذكرات  « هيلاري »، فلا شيء يدعو إلى تصفحها، ولا بأس بالاكتفاء بنقل أراجيف حول ما قالت الفاجرة  فيها .. وأمّا شبابُ « ما يتعدّاش » فلا تنصتوا إليه،، وولّوا وجوهكم شطر قصر الخراتيت ، ولا بأس أن تشفقوا على الغِرّيد السّعيد بعدما اجتمع عليه البوم و قارض الحديد.. واكتفوا ــــ يرحمكم الله ــــ بأن تعدّوا للمرشد خطاه،وأن تشنفوا أذانكم متى تيسّر بنجْواه ..أمرٌ واحدٌ أربأ بكم أن تتورّطوا فيه .. لا تتهموا الأرنب متى تصاعدت روائح   العفونة، ولا تأخذوها بجريرة فعل الخراتيت ..  أليس يقال : من خالط العطّار نال طيبه ؟

أوَ تأملون تضوّعَ عبق عاطر من حظائر الكركدنّ و من قطعان الخرلتيت  ؟  وحتّام تصدّقون مزاعمهم كلّما زكمت   الأنوفَ روائح نتْنهم بأنّ الأرنب الصغيرة تخنقكم بريح الأمونيا المنبعثة منها وتذهلون عن بؤرة العفن التي لا تشبه غير بالوعة تصطاد زهرة من بلدكم بلا خجل ؟ اللعنة !

 

                                                                                                                                              

                                                                           خالد كرونة  ـــــــ كاتبٌ من تونس   

 

 


فيديو لحاتم القرمازي الشّاب المسجون لأنّه إخترع صاروخ "تونس حرّة"
الرّقاب/ بالفديو: الأمن يهشّم دكّان مواطن
بالفيديو: راوية علّاقي تروي تفاصيل إعتداء القيّم العام على والدتها
وقفة احتجاجية تطالب بالكشف عن الأطراف المتورطة في قضية اغتيال الشهيد شكري بلعيد
سندس قربوج: لهذه الأسباب يصبح أبناؤنا إرهابيّين
بالفيديو: ومضة تحسيسيّة رائعة
قدماء مناضلي الاتحاد العام لطلبة تونس يهددون بطلب اللجوء السياسي
حمّه الهمّامي يروي لأوّل مرّة ذكريات 14 جانفي 2011 في دهاليز الدّاخليّة (الجزء الثالث)
حمّه الهمّامي يروي لأوّل مرّة ذكريات 14 جانفي 2011 في دهاليز الدّاخليّة (جزء ثاني)

النفيضة: مسيرة سلمية على خلفية وفاة الشابة...

باجة: تجمّع كبير أمام مقرّ الولاية تحت شعار...

قفصة: محتجّون يغلقون مؤسسات تربوية وإدارات...

الصحفيون التونسيون يشرعون اليوم في سلسلة...

زيت النضوح ...ذهب الشجرة المباركة وموروث صار...

الترفيع في أسعار الكراس بـ25 بالمائة

خلال النصف الأول من 2020: عجز ميزانية الدولة...

البنك المركزي التونسي يقرر الابقاء على...

حدوث خسوف شبه ظل جزئي للقمر الجمعة

أستاذ في علم الفيروسات: الكلاب والقطط تنقل...

علماء الفلك يؤكّدون أن المجال المغناطيسي...

ناسا: كويكب ضخم يتجه نحو الأرض يوم 29 أفريل...

استئناف عدد من الأنشطة الثقافية تدريجيا...

المخرجة سلمى بكار تعود إلى عالمها...

معبر راس الجدير: جلسة عمل للنظر في...

من الذاكرة : أخوة الهلال والصليب بقلم...