Quantcast

حول العمليّة الانقلابيّة الانفصاليّة صلب الجبهة الشعبيّة

 

بقلم مصطفى القلعي

 

مرّت الجبهة الشعبيّة، التنظيم اليساري وهو تحالف جملة من الأحزاب الماركسيّة والقوميّة، بأزمة حادّة استجاب خلالها حزب الوطد الموحّد لطموحات منجي الرحوي، بعد السيطرة على حزبه، في الاستيلاء على الجبهة الشعبيّة رغم تنوّعها وطبيعتها تكوّنها المخصوصة. وقد كُتب الكثير حول الأزمة من داخل الجبهة ومن خارجها. وفي ما كتب هناك الغثّ والسمين. ولقد حاولتُ مع كثير من مثقّفي الجبهة والمنحازين إليها من أصحاب الأقلام وأهل الرأي النأي بالنفس عن الانحياز  لهذا او ذاك وقاومنا الاصطفاف مع هذا الطرف ضد الطرف الآخر تجنّبا للتصعيد وتعفين الخلافات.

والحقيقة أنّنا جميعا كنّا نحلّل من خارج الجبهة. إذ أنّها كانت ائتلافا منغلقا تنظيميّا على مجلسها المركزي وأحزابها. ولطالما كان الصراع صلبها صراعا كنتونيّا على حجم الأرباح من المواقع ورئاسة القائمات (في الانتخابات خاصة)، من جهة أولى، وعلى الهيكلة والتنظيم، من جهة ثانية، وعلى القيادة والخطّ السياسي، من جهة ثالثة. ومع ذلك، لم تعدم الجبهة قياديّين مناضلين زاهدين في المواقع والمناصب يدفعون من مالهم وصحّتهم وحقّ عائلاتهم فيهم خدمة للمشروع الجبهوي الجامع (حمّه وعلي بن جدّو ومهدي كشّوخ وفرج شبّاح… إلخ)

سأعمل في هذه الورقة على الابتعاد عن الصراع الحزبي المباشر سواء بين حزب العمّال والوطد الموحّد أو بين الوطد الموحّد والتيّار الشعبي أو بين الوطد الموحّد والأمين العام لرابطة اليسار العمّالي معا وبقيّة مكوّنات الجبهة، مع أنّ الوطد الموحّد عنصر قارّ في كلّ أجزاء الخلافات الجبهويّة، وهي علامة دالّة بطبعها. قلت سأعمل على الابتعاد عن الصراع الحزبي ولن أستعمل المعطيات التي بين يديّ حول مسؤوليّة كلّ حزب في ما آل إليه امر الجبهة وإنّما سأحلّل الأحداث الثلاثة الأخيرة فقط انطلاقا من يوم 28 ماي 2019تاريخ إعلان 9 نوّاب الاستقالة من كتلة الجبهة الشعبيّة بمجلس نوّاب الشعب مرورا بمحاولة النوّاب التسعة المستقيلين إعادة تشكيل الكتلة بنفس الاسم وصولا إلى يوم 15 جوان 2019 تاريخ صدور بيان مجلس أمناء الجبهة متضمّنا وثيقة توجّه بها الأمين العام لحزب الوطد الموحّد زياد لخضر والأمين العام لرابطة اليسار العمّالي نزار عمامي يوم 3 جوان إلى الهيئة العليا المستقلّة للانتخابات طالبيْن من خلالها حصر التمثيل القانوني للجبهة في حزبيهما دون بقيّة المكوّنات.

عندما علمنا باستقالة النوّاب التسعة من كتلة الجبهة ذهلنا جميعا. كانت الاستقالة قبيْل عيد الفطر فكانت شغل الرأي العام ومدار حديثهم طيلة أيّام العيد. وقد صدّقنا جميعا كلام النوّاب المستقيلين في وسائل الإعلام وبيانات أحزاب المتحزّبين منهم على أنّها استقالة تعبّر عن أعلى درجات الغضب من قيادة الجبهة التي تهمّشهم ولا تهتمّ لأمرهم.

ولكنّ اللافت أنّ من بين المستقيلين التسعة 3 أعضاء مجلس أمناء (زياد لخضر ونزار عمامي وفتحي الشامخي) يتحدّثون عن مماطلتهم من قبل مجلس الأمناء وعن كونهم راسلوا مجلس الأمناء الذي هم أعضاء فيه ولم يجبهم!هذا الكلام لا يستقيم. فلِمَ يراسلون مجلس الأمناء وهم أعضاء فيه؟ وكيف يراسلون أنفسهم ويحتجّون على أنفسهم لأنّهم لم يردّوا على أنفسهم؟ لا منطق في كلامهم. ومع ذلك صدّقتهم أنا شخصيّا لصداقتي الشخصيّة بأغلبهم.

المطلب الرئيسي حسب كلامهم كان مطالبة الناطق الرسمي بدعوة المجلس المركزي للانعقاد ودعوة نوّاب الكتلة لحضور الاجتماع. الغريب أنّه لا أحد منع النوّاب من حضور اجتماعات المجلس المركزي أو مجلس الأمناء بالنسبة إلى الأمناء العامّين من بينهم! وكانت استقالتهم ورقة ضغط في هذا الاتجاه كما ورد في تصريحاتهم. ولكن رئيس الكتلة أحد الصدّيق لم يتمّ إعلامه بها وتمّت مفاجأته بالأمر الواقع. كما رفض المستقيلون منحه 48 ساعة ولا حتى 24 ساعة لإعلان الاستقالة حتى يقوم بمساعيه لتنفيذ طلباتهم. فإذا كانت الاستقالة ورقة ضغط وهي معلّقة متى استجاب الناطق الرسمي وجلس الأمناء لِمَ لم يتمّ السماح لرئيس الكتلة بمهلة للقيام بدوره؟

ما يزيد الشكّ في أمر الاستقالة هي الحملة الإعلاميّة المضادّة التي رافقتها لاسيما من قبل نوّاب الوطد الموحّد وقادته ومناضليه سواء في وسائل الإعلام المسموعة أو المرئية  أو المكتوبة  سواء كانت  رقميّة أو ورقية  أو في وسائل التواصل الاجتماعي. كانت هناك حملة إيذاء ممنهجة لشخص الناطق الرسمي حمّه الهمّامي وتشويه وشتم له بأقذع الشتائم. فما قيل في حمّه من قبل منجي الرحوي وأيمن العلوي في الإعلام ومنتسبي الوطد الموحّد في وسائل التواصل الاجتماعي بلغ من القذارة وقلّة الحياء والعدائيّة درجة لم تبلغها حملات خصوم الجبهة وأعدائها مطلقا. فهل من يرفع ورقة ضغط معلّقة ويرسل الوساطات ينفّذ حملة عدائيّة بهذا الشكل؟ لا أبدا.

طبعا لم يفكّر المستقيلون في تأثير استقالتهم على الرأي العام وعلى نوايا التصويت للجبهة. فالرأي العام لا يعرف الخلافات الداخليّة للجبهويّين ولا يعرف مشاكل مكّونات الجبهة ولا معيقات المجلس المركزي ومجلس الأمناء. الرأي العام يعاين فقط أنّ الجبهة التي تدافع عنه أُخذت من الداخل وانحلّت. واستغلّ خصوم الجبهة ذلك طبعا وشكّكوا في مبادئها وفي هيئة الدفاع وفي نضالات الجبهة وفي صورة رموزها…إلخ.. هي اذن عملية انتحاريّة الغاية منها تصفية حسابات داخليّة لكنّ نتيجتها كانت ضرب الجبهة في مقتل.

لكنّ ما جعل الأمور تلتبس وما طعن في نوايا المستقيلين أو المتّفقين ومن بينهم من قبل على كلّ شيء هو ما وقع يوم  12 جوان حين تقدّم النوّاب المستقيلون من كتلة الجبهة أنفسهم بمطلب لتشكيل كتلة جديدة بنفس الاسم والشعار. وهذه أغرب الغرائب! المستوى الأوّل من التحليل يقول للمستقيلين؛ لماذا تستقيلون من كتلة ستعودون لتشكيلها!؟ المستوى الثاني يقول: استقالتكم لم تكن ورقة ضغط كما قلتم وإنّما خطّة لتصفية 6 نوّاب من رفاقكم لا تريدونهم بينكم بمعنى  ان الاستقالة كانت لتحلّ الكتلة ثمّ يعاد تشكيلها بالمستقيلين أي عمليّة بهلوانيّة أكروباتية  (بالعاميّة تطريدة بضخامة).

هذا يعني أنّها لم تكن استقالة عفويّة وإنّما كان مخطّطا لها من قِبل المحور الأهمّ من بين المستقيلين.ولكنّها خطّة غبيّة فكيف تفكّكون كتلة بـ 15 نائبا وتعملون على تشكيل كتلة بـ 9؟   يعني هذا انكم  تحتجّون على الجبهة فتستقيلون من كتلتها ثمّ تعودون إليها. فهل العودة إلى تشكيل كتلة باسمها هو رضا عنها أم تجاوز لها أم استيلاء عليها أم مضاعفة للضغط؟ طبعا المستوى الأوّل من التحليل لن يؤدّي إلى الفهم.

لكنّ سقوط ورقة التوت كان يوم 15 جوان حين أصدر مجلس أمناء الجبهة بيانه المصحوب بالوثيقة المشار إليها أعلاه. فالوثيقة المودعة لدى الهيئة المستقلّة للانتخابات يعود تاريخها إلى يوم 3 جوان والاستقالة لم تدخل حيّز التفعيل والوساطات مازالت قائمة لاسيما من قبل الوطد الموحّد. السؤال الأوّل: هل كان كلّ النوّاب المستقيلين على علم بهذه الوثيقة أم لا؟ ماذا يريد نزار عمامي وزياد الاخضر؟ يريدان أن يخوضا الانتخابات المقبلة باسم الجبهة بمفردهما دون البقيّة؟ يعني عمليّة انفصاليّة أو انقلابيّة فيها نزع صلاحيّات والاستيلاء عليها. يعني لو كان الجماعة في السلطة لاعتقلوا حمّه وبقيّة رفاقهم في الكتلة وبقيّة المناضلين الذين ليسوا معهم أو لن يكونوا معهم ولنفّذوا فيهم عمليّات تصفية واسعة. هل فعلت الترويكا هذا؟ لا. هل فعل النداء هذا؟ لا. زياد وحزبه ونزار فعلوها!

نجمع الآن نتائج ما توصّلنا إليه من عناصر التحليل الثلاثة. الاستقالة من الكتلة لم تكن عفويّة ولم تكن ورقة ضغط وإنّما كانت النقطة الأولى من خطّة ثلاثيّة تتمثّل في: الاستقالة من الكتلة بطريقة متزامنة مع حملة تشهير وتعفين متعمّدة قصد سدّ الأبواب أمام أيّ محاولة لحلّ الإشكال والتدارك وما الوساطات إلاّ لتجويد للحبكة، وإلاّ كيف تطلب من الناطق الرسمي ومجلس الأمناء عقد جلسة وأنت تتجوّل في وسائل الإعلام ولم تترك سبّة أو تهمة إلاّ وأطلقتها عليه وعلى بقيّة أحزاب الجبهة؟ كانت غاية الحملة التشهيريّة هي جعل حمّه ومجلس أمناء الجبهة وأحزابها تحت ضغط الشتم والتشهير حتى لا يفكّروا في المصالحة حتى تنتهي آجال تعليق الاستقالة. وقبل أن تنتهي هذه الآجال يطلب زياد ونزار رسميّا من هيئة الانتخابات الاستيلاء على اسم الجبهة وشعارها لخوض انتخابات 2019.

الخطّة إذن؛ الاستيلاء على الكتلة البرلمانيّة باسم الجبهة دون نوّاب حزب العمّال والتيّار الشعبي اللذين يعاديهما الوطد الموحّد، أوّلا، والاستيلاء على اسم الجبهة وشعارها لخوض انتخابات 2019. يعني إقصاء الناطق الرسمي وحزب العمّال والتيّار الشعبي والبعث من الجبهة خارج إرادة الجبهويّين وخارج مؤسّسات الجبهة. وهذا لا اسم آخر له سوى الانقلاب.

الأكيد أنّ بعض النوّاب المستقيلين تمّ التغرير بهم. والأكيد أنّهم ندموا وسيزيد ندمهم لأنّهم كانوا أداة في خطّة انقلابيّة كاملة لا ناقة لهم فيها ولا جمل. والأكيد أنّ الجبهة لن تستمرّ بشكلها القديم مستقبلا. والأكيد أنّ الجبهة تلقّت طعنة قاتلة في توقيت خطير يشحذ فيه الجميع أدواتهم لخوض الانتخابات والفوز بالسلطة.


فيديو لحاتم القرمازي الشّاب المسجون لأنّه إخترع صاروخ "تونس حرّة"
الرّقاب/ بالفديو: الأمن يهشّم دكّان مواطن
بالفيديو: راوية علّاقي تروي تفاصيل إعتداء القيّم العام على والدتها
وقفة احتجاجية تطالب بالكشف عن الأطراف المتورطة في قضية اغتيال الشهيد شكري بلعيد
سندس قربوج: لهذه الأسباب يصبح أبناؤنا إرهابيّين
بالفيديو: ومضة تحسيسيّة رائعة
قدماء مناضلي الاتحاد العام لطلبة تونس يهددون بطلب اللجوء السياسي
حمّه الهمّامي يروي لأوّل مرّة ذكريات 14 جانفي 2011 في دهاليز الدّاخليّة (الجزء الثالث)
حمّه الهمّامي يروي لأوّل مرّة ذكريات 14 جانفي 2011 في دهاليز الدّاخليّة (جزء ثاني)

أنس الحمادي يعلق على تأخر مجلس القضاء في...

وفاة مفتي الجمهورية الأسبق محمد المختار...

وزارة النقل تقرر فتح تحقيق بشأن تعرض مسافر...

قطار يخرج عن السكة بين جهتي لخوات و لكريب...

العباسي: تحسّن الدينار ليس ظرفيا

الترفيع في تعريفة الكهرباء والغاز

أسعار النفط تقفز أكثر من 5 بالمائة

عدم الترفيع في كلفة القروض السكنية...

جمعية علوم الفلك تردّ على خرافة " اقتراب يوم...

كويكب "يحتمل أن يكون خطيرًا" يقترب من الأرض

اليوم الثلاثاء كسوف كلي للشمس

علماء الفلك يكتشفون نوعا نادرا من المجرات...

جمعية الدراسات الأدبية والحضارية بمدنين :...

هل يحتفل الإنسان بالموت كما يحتفل بالحياة...

برنامج الدورة 55 لمهرجان قرطاج الدولي

تعرّف على الوجه الآخر لجزيرة " لامبدوزة " في...