Quantcast

خازوق بيرم التونسي في حضرة الجندي المجهول ! بقلم خالد كرونة

 

لا مراء أنّ حدث التاسع من أفريل ما يزال يحتفظ بكلّ زخمه الرمزيّ بعد انقضاء ما يربو عن ثمانية عقود ،، ولا شكّ أنّ المناسبة ظلت لسنوات طويلة لا سيما في ظل حكم الجنرال مجرّد وقفة « مراسميّة » بلا روح ، لا تصلح لغير عنوان نشرة الأخبار الأوّل ضمن نشاط الرئيس .. إنّ فكرة المصالحة مع الرموز الوطنية و استلهام الدروس من المحطات التي طبعت كفاح الشعب ضدّ الغزاة جزء أصيل من الثقافة الوطنيّة ومن الإحساس بالانتماء .

ولعلّ انتقال رئيس الدولة في 9 أفريل 2021 إلى مقبرة « برج السدريّة » ثمّ إلى بيت شهيد الثورة  » محمّد الحنشي » ، خطوة في الاتجاه الصحيح لأنّ هؤلاء الأبطال لهم وجه واحد بصرف النظر عن تاريخ الاستشهاد ، ولأنّ بلدنا قدّم قوافلَ منهم ما زالت كثرتهم تُغبنُ حقّها في الاعتراف ،ناهيك عن التبجيل    والتقدير سواء في صفوف المدنيين ماضيا و حاضرا، أو في صفوف حاملي السلاح من شهداء الواجب وخاصة أولئك الذين واجهوا ببسالة و بوسائل بسيطة العصابات الإرهابية ولنا في حدث بن قردان      وحوادث جبل مغيلة والسلوم عبرة و موعظة .

ولكنّ ميزة الاحتفال « الرسمي » الثانية هذا العام، هديّة أعدّها الرئيس أو طاقمه (أو هُما معا) لُفّت في عناية بين دفّتي ملفّ أحمر في لون دم الشهداء العندميّ،، وكان لابُدّ بعد تلاوة فاتحة الكتاب و وضع أكاليل الزهور وفق التقاليد البروتوكوليّة، من أن تُكشف الهديّة ،، لتكون صورة التذكار، في يوم الفَخار ..

ولستُ أشكّ أنّ رئيس البرلمان وكذا رئيس الحكومة، أيّا كانت مَلكات الخيال التي ينطويان عليها (وأنا ممّن يزعمون أنها شحيحة) لم يكن ليدور في خلد أحدهما أو كليْهما أنّ هديّة الرئيس إليهما في يوم الشهداء، على مرأى من العَسس ومن الشّرطِ ومن الجنديّ المجهول أيضا، صورة كاريكاتوريّة أقدم من يوم الشهداء .. رجُلان في المشهد واقفان، وامرأة عليلة مسجّاةٌ .. آس حكيم، يفصح عن دواء السقيم .. و العليلة أنثى في الرسم حقيقة، ولكنّها في السيمياء البلادُ مجازا .. ما زالت تحمل على رأسها ما به ترفعه رغم المحن.

 

Aucune description disponible.

 

 

صحيح أنّ الرسم يعود إلى 1936 وأنّه كان في صدارة صفحة جريدة « الشباب » آنئذ .. وصحيح أنّ الدواء الموصوف « برلمان محترم » ( لا يشبه ما عندنا بإجماع من فيه) و حكومة « مسؤولة » ( لا يشبهها نصف الحكومة الحالي ) ..  ولكن ، هل يَعْرض الرئيس نفسه « طبيبا مداويا » ؟ أم تراه يُعَرّضُ بالعُضديْن « العاقيْنِ »  ؟ أليس الكاريكاتير تصويرا ماسخا ؟وهل نحتاج مسخا  أشدّ ممّا نحن فيه ؟ وما الذي قاده إلى بيرم تحديدا؟

مكرُ التاريخ شاء أن يُعِدّ الرئيس ـــ فيما نُرجّح ــ الرسم « الهدية » يوم 8 أفريل.. وهو نفسه التاريخ الذي وصل فيه بيرم من منفاه إلى مصر سنة 1938 (يا لمكر التاريخ أيضا) .. ومن أعاجيب القدر، أن تاريخ      8 أفريل 1938 يصادف في مصر تاريخ انتخاب برلمان مصريّ .. والمكر الأكبرُ ، أنّ الرئيس كان لا يعدّ فقط « الرسم ــ الهديّة » بل كان يُعدّ أيضا يوم 8 أفريل حقيبة السفر إلى مصر ..

وما الذي يمكن أن يثير « بيرم » في ذاكرة الرئيس ؟ هل استحضره لأنّه كان أفضل سفرائنا في مصر من دون اعتماد؟ هل يحبّ الرئيس مشهورات أمّ كلثوم و عبد الوهاب و فريد ،،وعدد وافر منها كتبه بيرم؟ هل يحبّ مثلا « أنا في انتظارك » (أم كلثوم) ؟ وهل يفضل إهداءها إلى أبي هشام أم إلى أبي معاذ ؟  أليس واردا أنّه يطرب لأغنية « الحب كده » أو « الورد جميل » ؟ أم لعلّه بعدما أنصت إلى ما رُمي به من شعبويّة ترنّم بأغنية عبد الوهاب  » محلاها عيشة الفلاح » التي كتبها بيرم ؟ أم لعلّه يُفكّر (يا ليت) أن يطلبَ من الأشقّاء المصريين نقل رفات بيرم إلى بلده الذي لم يكرمه كما لم يكرم دهرا طويلا شهداءه ؟

وما دمنا ولجنا عوالم الرموز، وأبحرنا في زورق الإيماء، لم لا نرى في هدية الرئيس مبادرة (جديدة/ قديمة) يُشهد عليها الشهداء لحلّ أزمة البلد ؟ أليس الرسم ـــ على بساطته ـــ قد قال ما ينبغي قوله؟ ألسنا وسط العواصف الهُولِ بحاجة إلى « وزارة كاملة » ؟ ولكنّ « كمالها » مشروط بدرء السقم عنها وهو رهين إرادة أغلبية برلمانية .. هل يسألها الرئيس أن تكون « محترمة » كما خطّ بيرم؟؟ أليس يوجه تلميحا لا تصريحا رسالته إلى صاحب البدلة الرماديّة أَنْ ابسط يدك إلى العليلة ببعض جرعات الدواء علّها تُبِلُّ من الأدواء؟ رأيتُ في صور التذكار الشيخ إلى اليمين، يرمق من تحت نظارته و من فوق لثامه خطوط بيرم .. بدا لي أنّه لعنه في سرّه ولعن معه « سعيّد » والانتقال « الديموقراطي » أيضا.. أخاله رمق « الرسم » بنظرة مخلبيّة حادّة .. قابلها برود اليد التي تعرضها في أناة .. يدهمك السؤال : أنحن إزاء عرض فرجويّ أم ترانا أمام ملهاة عفنة ؟ وحتّام سيصبر هذا الشعب المنكوب على طبقة سياسيّة خرقاء؟ وأمّا أبو هشام، فمشغول كدأبه بإصلاح اللثام وبصون أعراض اللئام ..

وأمّا أولئك الذين يعوون جهلا مستنكرين زيارة مصر ،فلم يفارقوا مهاجع الطفولة السياسيّة، لأنّ مصر ليست عبد الفتاح ، كما أن تونس ليست لا سعيّد ولا الغنوشي .. وجماعة السنة الأولى استراتيجيا، ينبغي لهم أن يفهموا أن توزيع الأدوار بعد سنوات الاقتتال في ليبيا، مشروط بتفاهمات بين جاريْها .. ومن كتاب الاستراتيجيا أيضا ، في صفحته الثانية، أنّ الرئيس ينبغي له أيضا في قادم الأيام أن يزور اسطنبول وأن يزور خاصة دمشق .. العالم يتغيّر وصبيان « التعاليق » يهرفون بما ليس يعرفون .

أمّا بيرم التونسيّ، فلن ينال ما هو حقيق به من تبجيل، إلا يوم يعرفه شبّاننا في المدارس، تماما مثلما ينبغي لهم أن يعرفوا بعضا من فرادة الدوعاجي و صفحات من سيرة فاطمة الفهريّة و لُمعا عن ابن الجزار القيرواني و ابن منظور القفصي وسواهم حتّى لا ينسب أحدهم ذات يوم بعض أقوالهم إلى تشرشل .

وإذا كان بيرم قد عاش ويلات النفي تسع أعوام، تقاذفته فيها تونس التي تنكرت له، ومرسيليا التي لم ترُقْه، وباريس التي أذاقته مرّ العذاب وليون التي صلّبت معدنه حين اشتغل فيها في مصانع الصلب، فإنّه حافظ على عشقه « الاسكندراني » و لقي من الإعجاب ما أناله أعلى جوائز التقدير بعد 1952، ومنح الجنسية المصرية سنة 1954 واعترف له طه حسين فقال قصد الإطراء :  » أخشى على الفصحى من عامية بيرم »…

وبيرم نفسه، حين منعوا صحيفته « المسلة » بعد صدور 13 عددا سنة 1919 ، أصدر جريدة جديدة اختار لها اسم « الخازوق » .. وسيلة إعدام  رهيبة استخدمها الفراعنة ضدّ لصوص مقابرهم، واستخدمها اليابانيون ضدّ أسرى الحرب العالمية الثانية .. بيد أنّ الصحيفة لم يُكتب لها الاستمرار لأنّ الملك فؤاد آنئذ منعها فلم يُنشر غير عدد يتيم قبل نفي بيرم إلى تونس سنة 1920بسبب قصيدة ! أمّا العدد الثاني فكان أمس، في ساحة السيجومي ..

خالد كرونة  ـــــــ كاتب من تونس


فيديو لحاتم القرمازي الشّاب المسجون لأنّه إخترع صاروخ "تونس حرّة"
الرّقاب/ بالفديو: الأمن يهشّم دكّان مواطن
بالفيديو: راوية علّاقي تروي تفاصيل إعتداء القيّم العام على والدتها
وقفة احتجاجية تطالب بالكشف عن الأطراف المتورطة في قضية اغتيال الشهيد شكري بلعيد
سندس قربوج: لهذه الأسباب يصبح أبناؤنا إرهابيّين
بالفيديو: ومضة تحسيسيّة رائعة
قدماء مناضلي الاتحاد العام لطلبة تونس يهددون بطلب اللجوء السياسي
حمّه الهمّامي يروي لأوّل مرّة ذكريات 14 جانفي 2011 في دهاليز الدّاخليّة (الجزء الثالث)
حمّه الهمّامي يروي لأوّل مرّة ذكريات 14 جانفي 2011 في دهاليز الدّاخليّة (جزء ثاني)

الكاف : خرق حظر الجولان وتجار الملابس...

فخري الأندلسي سيحظى بمحاكمة جديدة في قطر

تجار الأحذية : " سنحرق محلاتنا نحنا موته...

الاحتقاظ بابن رجل الأعمال القتيل بالعقبة...

أعوان واطارات البنك الفرنسي التونسي يدعون...

بداية من اليوم الثلاثاء : الترفيع في أسعار...

تمكين المساحات التجارية الكبرى والمغازات...

تين دجبة يتحصل على الحماية الدولية

سقوط بقايا الصاروخ الصيني في المحيط الهندي

تأجيل إطلاق أول قمر صناعي تونسي

علي سعد رئيس قسم علوم الوراثة الخلوية ...

حدوث خسوف شبه ظل جزئي للقمر الجمعة

توفيق العلوي : " نحوُ الشوارع " يخرج البحث...

فتح باب الترشٌح لمعرض الكتاب التونسي

إصدار طابع بريدي حول “الموانئ البونية:...

روايتان تونسيتان ضمن القائمة القصيرة...