Quantcast

ذبيح باريس، و قتلى نيس ! "أزمة الإسلام" أم أزمة العولمة ؟ بقلم خالد كرونة

 

      أحسبُني منتسبا إلى عالمين، دون أن أكون تماما منتميا إلى أي منهما (إدوارد سعيد)    

ما برح رأس الفتى الرّاعي في ثلاجة أمّه بعد أن بعث به القتلة في بعض أريافنا تُقبّح وجه التاريخ ..                                                                                                                                   وما فتئت  مشاهد حزّ الرّقاب مع التّكبير التي نشرتها مواقع « داعش » ــــ وما بالعهد من قدم ـــ وصما على جبين الإنسانيّة و أمارة على فظاعة البربريّة. وما زالت أسواق النخاسة التي عُرضت فيها سبايا العصر الجديد في الشام تدمينا .

ومن نافل القول، إنّ الاكتفاء بمجرّد « إدانة » الأعمال الإرهابيّة بات مدعاة للسخريّة، فضلا عن كونه علامة عطالة فكريّة إزاء « جائحة » لا تدرسها مخابر « البيولوجيا » ولا تفكّ طلاسمها علوم الأوبئة. إنّنا بصدد ظاهرة يتداخل فيها الثقافي (بكلّ عناصره) و السياسيّ (بكلّ أدواته) .. وما أعسر أن تسير بين ألغام التكفير ، تطلبُ النجاة من أوحال التكاذب الرخيص لتبلغَ منزلة التفكير .

وهل يسعنا غير الأسى لوصيّة العجوز المتعبّدة في كنيسة « نيس » ساعة مفارقتها عالمنا : « أبلغوا أبنائي أنّني أحبّهم » ؟ كيف يمكن للمُدية ألّا تخجل وهي تقطع أوردتها ؟ وقبلها بأيّام، كيف حزّ « الصارم المسلول » في برود رأس « صمويل » ؟

لستُ أطلبُ في هذه المقالة العودَ إلى الجدل القديم المتجدّد حول موضوعة « ازدراء الأديان »، فقد بات معلوما أنّ تشريعات بعض البلدان التي تحظره صارت سيفا آخر على رقاب المفكرين وسجنا للمبدعين إذا اقتربوا من دائرة « الطوطم » و لامسوا حدود « المقدّس » (مصر واليونان  وإندونيسيا وماليزيا  وباكستان واليونان وبولندا..) ومعلوم أيضا، أنّ بلدانا أخرى كثيرة امتنعت عن تقنين منع « ازدراء الأديان »  (مثل بريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وكندا وتشيلي) فأضحى ذلك في أحيان كثيرة مدخلا إلى تحريك مشاعر الكراهية و تغذية العنف والعنصريّة والنعرات التمييزيّة .

ولا يسعني ـــ في هذه السطور الشحيحة ـــ مراجعةُ مفهوم « الإرهاب » الذي تحوطه التباسات كثيرة.  فما زالت ذاكرة البشريّة تحتفظ ببشاعة صور « ناغازاكي » و « هيروشيما » وما نزال نذكرُ أيّام تجحفلت في عهد المخلّص « بوش »  عساكر العالم ل »تحرير العراق » (هكذا !) وما تزال صورة محمد الدرة طعنة نجلاء في خواء صدورنا .. ألم يكن هذا و ذاك من إرهاب الدّول ؟ وهل علينا أن نغمض أعيننا عن حقائق فاجعة خشية أن يتهمنا بعض السّفلة بالتطبيع مع الإرهاب ؟

لقد كان تصريح الرئيس الفرنسيّ لافتا وهو يقول : « الإسلام في أزمة ».  وبصرف النظر عن حسابات انتخابيّة فرنسية،فإنّ هذا الخطاب لم يتسبّب فقط في صبّ الزّيت على النّار، وفي تأجيج مشاعر الكراهية، بل إنه ينطوي على مغالطة خطيرة . فالإسلام فعلا في أزمة، ولكنّها أزمة كلّ الأديان، بل لعلّنا إذا أمعنّا النّظر ألفيناها أزمة أشمل إذ هي أزمة الحداثة التي شلّت الإيديولوجيات الليبراليّة واليساريّة والقوميّة تبعا لمآلات الفشل التي عرفتها التجارب الاشتراكية و الوطنية . الأزمة ـــ إذن ـــ إنسانيّة بالمعنى الشامل . وهو ما يطرح إعادة النظر في صورة الهويّة زمن العولمة . لقد كان « بول ريكور » في غاية النباهة حين ألمع:  « الآخر المختلف جزء من هويتي » ! وهو ما لم يستوعبه ــــ على عمد ـــ خطاب السيد ماكرون .

ولا بدّ من الإقرار أنّ « الحداثة » التي أحلَمتْ البشريّة بأنسنة العالم قد انكفأت حتّى تورّطت في إعادة تقسيمه على نحو جديد يمكن التماسه في داروينية ثقافية و اجتماعيّة، لأنها حداثة فشلت في القطع مع الإبادة و مع جرائم العنصريّة وصنوف التمييز.

في كلّ منعطفات التاريخ الكبرى، كانت بعض الصيحات تخلّف دويّا… فحين كانت الرأسمالية صاعدة تبشّر بالتقدّم، كان عليها تحطيم سطوة المجال الكنسي، فكانت صيحة نيتشه « إن الإله قد مات » .. ولكنّها حين استشعرت أزمتها و خشيت على مصيرها، وبسبب أنويتها المفرطة، صرخت على لسان فوكو « إن الإنسان قد مات » .. وها هي الليبرالية الجديدة اليوم، بعد أن تردّت العولمة إلى مهاوي الأزمة، تهذي متمترسة وراء أوهام المركزية الأوربية ، وتعلن « النهايات » .. نهاية التاريخ،( استبطان وعيها بنهاية دورها في التاريخ) ونهاية الإيديولوجيا ( هو نفسه موقف إيديولوجي) ،وانطلق الحديث عن قائمة طويلة من « بعديّات » منشودة .  إنّ ما يؤرّقهم أنّ العولمة ــــ التي باتت واقعة ــــ  صارت قابلة للتوالد . أي أنّ بشائر « عولمة أخرى » بصدد النشوء، وهو ما يعني أنّ « عولمة الاستبداد الكولونيالي الظالمة » ستجد لها نقيضا ضدّيّا في « عولمة مقاومة متضامنة  » تعي تعدّدها و تكرّس بوعي وحدتها دون تجاهل اختلاف مكوناتها أملا في بلوغ حالة تناغم تسم هذه « العولمة » الجديدة .

إنّ مأزق الخطاب الفرنسي ليس أهون من مأزق الخطاب الإسلاموي . فكلاهما محكوم بآفاق مسدودة، لأنه يستثمر « خارج التاريخ » . كم كان « تودوروف » شجاعا حين قال في كتابه « روح الأنوار » :

 » بما أن الأنوار تقرّ بوحدة الجنس البشري فهي تقرّ إذن بكونية القيم ، ولما كانت الدول الأوربية مقتنعة بأنها تحمل قيماً أرقى من القيم السائدة عند غيرها من الأمم ، اعتقدت أن من حقها حملَ حضارتها إلى الذين هم أقل حظاً منها. وكي تضمن نجاحها في أداء هذه المهمة كانت مجبرة على احتلال المناطق التي يقطنها سكان تلك الأمم »  .

إنّ مشاعر الكراهية تتصل بالمخاوف في عالم باتت ساكنتُه لا تدرك مصيرها. فتعدّد النزاعات والحروب وانتشار الأوبئة وفداحةُ ما لحق البيئة من خراب، يؤجّج الرّعب من « آت » مجهول ويغذّي نزعات « احتماء » ب »أصوليّات » مختلفة هي تارة دينية وتارة مذهبيّة وطورا تلبس عباءة « القيم الجمهورية » وفق المنطوق الماكروني.

بيْد أنّ ما يدعو إلى الأسى فعلا في بلادنا، ليس انسياق « الجمهور » وراء التجييش ضمن حملات تعصّب أعمى تديرها غُرفٌ أطلسيّة (تركية / فرنسية) ، بل انخراط طائفة من « المثقفين » والجامعيين ممّن يُحملون على الرّصانة، في هذه المعمعة،حتّى أضحى بعضهم ــــ يا للخجل ــــ آسفا لكونه « تونسيّا » بعد كشف أصول إرهابيّ « نيس » ، وحتّى بات بعضهم الآخر يدسّ سمّ حسرته الزّعاف على أيّام الجنرال، ضاربا صفحا عن أبعاد الأزمة الإنسانيّة متجاهلا ــــ قصدا ــ جواهر الأمور خدمة لأجندات سياسيّة حقيرة، لا تستثمر في غير  تغذية صراع « هوويّ » ثنائيّ سجنوا فيه البلد عقودا .

إنّ تركيا الأردوغانية ـــ وكذا فرنسا ـــ ليستا ملائكة رحمة،فهما عضوان في أكبر حلف عسكريّ إمبرياليّ يعادي الشعوب المقهورة،وهو حلف الأطلسيّ،وهما الإثنان يحتفظان ويطوّران أعمق العلاقات بالكيان الصهيونيّ، وهما معا مرّا من هنا محتلّيْن غازيَيْن، وهما معا أمّتان موحّدتان تستقويان على أمّة العرب الممزّقة،وإذا كانتا تتنافسان و تتصارعان لتخدم كلّ واحدة مصالحها القوميّة، فمن السخف أن نُعمّدَ إحداهما وأن « نُسوّق » لها . إنّنا لا نفعل وقتها، غير تعطيل قيامة جديدة لا فقط للمنطقة،بل للإنسان.

أمّا أولئك « الخدم » الذين يتمّ توظيفهم في معارك الكبار، سواء كانوا سياسيين أو إعلاميين،أكاديميين أو صحفيين، فلن ينفعهم « التتريكو » ولا « بيكو » (يا لبلاغة توصيف الصديق مصطفى العلوي) .. سيندبون يوما ما فعلته فرنسا وتركيا معا بالشام و بليبيا، بعد إجرامهم في حقّ العراق،وبعد ذبحهم خطّ النضال و القتال في فلسطين وتسويق وهم التسوية التي لا يمكن أن تكون غير تصفية .

إنّ « أنسنة » العالم ما تزال حلما نبيلا، ولكنّ القتلة لن يصنعوه. أمّا الإرهابيّون الذين يخرجون من « مفارخ » بلدنا فليسوا أكثر من أدوات غبيّة انتزعت منها إنسانيّتها فصارت إلى توحّش فريد.     وكلّ جهد لا يصبّ في خانة « عولمة مقاومة جديدة » محكوم عليه ،في رأينا المتواضع، بالزوال .    الخزيُ للقتلة،كلّ القتلة.. والعارُ لأقلام داعرة و لأصوات تباعُ في أسواق نخاسة الفكر  زمن « الهجنة » التي أعيت « إدوارد سعيد » .

كانت ذكرى المولد النبويّ مناسبة لنشر فضائل الرحمة، ولكنّ مدية الحقد طعنت الإنسان فينا.  نأمل أن تكون هذه السطور المستعجلة جزءا من تدبّر من شاء التفكير، لأنّ علينا أن نعيَ بعمق أن المستقبل لن يصنعه إسلامويّ ماضويّ،ولا يمكن أن يبنيه كولونياليّ .. وأمّا أحلامنا، فلن تُنحر..  قال الراحل محمود درويش يوما :    « لا شيء أقسى من رائحة أحلام تتبخّر » !            .

 

خالد كرونة / كاتبٌ من تونس


فيديو لحاتم القرمازي الشّاب المسجون لأنّه إخترع صاروخ "تونس حرّة"
الرّقاب/ بالفديو: الأمن يهشّم دكّان مواطن
بالفيديو: راوية علّاقي تروي تفاصيل إعتداء القيّم العام على والدتها
وقفة احتجاجية تطالب بالكشف عن الأطراف المتورطة في قضية اغتيال الشهيد شكري بلعيد
سندس قربوج: لهذه الأسباب يصبح أبناؤنا إرهابيّين
بالفيديو: ومضة تحسيسيّة رائعة
قدماء مناضلي الاتحاد العام لطلبة تونس يهددون بطلب اللجوء السياسي
حمّه الهمّامي يروي لأوّل مرّة ذكريات 14 جانفي 2011 في دهاليز الدّاخليّة (الجزء الثالث)
حمّه الهمّامي يروي لأوّل مرّة ذكريات 14 جانفي 2011 في دهاليز الدّاخليّة (جزء ثاني)

النفيضة: مسيرة سلمية على خلفية وفاة الشابة...

باجة: تجمّع كبير أمام مقرّ الولاية تحت شعار...

قفصة: محتجّون يغلقون مؤسسات تربوية وإدارات...

الصحفيون التونسيون يشرعون اليوم في سلسلة...

زيت النضوح ...ذهب الشجرة المباركة وموروث صار...

الترفيع في أسعار الكراس بـ25 بالمائة

خلال النصف الأول من 2020: عجز ميزانية الدولة...

البنك المركزي التونسي يقرر الابقاء على...

حدوث خسوف شبه ظل جزئي للقمر الجمعة

أستاذ في علم الفيروسات: الكلاب والقطط تنقل...

علماء الفلك يؤكّدون أن المجال المغناطيسي...

ناسا: كويكب ضخم يتجه نحو الأرض يوم 29 أفريل...

استئناف عدد من الأنشطة الثقافية تدريجيا...

المخرجة سلمى بكار تعود إلى عالمها...

معبر راس الجدير: جلسة عمل للنظر في...

من الذاكرة : أخوة الهلال والصليب بقلم...