Quantcast

على هامش مسألة الانتحال في كتاب أستاذ زيتوني: في مفارقات علم الرجال وشهادة الزور

 

 

بقلم سهيل الحبيّب

كان موضوع رسالتي المفتوحة إلى السيد وزير التعليم العالي (الشروق 28/01/2019)[1] مطلبا رأيته مشروعا، ويتمثّل في ألاّ يُلقى بجهد ووقت صرفته في تحكيم علمي لكتاب[2] في سلّة المهملات، وبمعنى آخر ألاّ يوظفا في مسائل غير علمية لا ناقة لي فيها ولا جمل، وهذا المعنى بات لي أن أفصح عنه الآن (ولم يكن ذلك ممكنا في الرسالة) بعد أن جاء في بنية الصياغة اللغوية لـ « توضيح » السيد رئيس جامعة الزيتونة (سنشير إليه قادما بـ « التوضيح »)[3] ما يفيد شبهة هذا التوظيف المتمثّل في نية التأثير على لجنة الارتقاء التي نظرت في ملف صاحب الكتاب. غير أن ظهور هذا التوضيح وظهور بيان السيد الشوّالي صاحب الكتاب (الشروق 04/02/2019 وسنشير إليه قادما بـ « البيان »)[4]، وما حواه من مضمون تكفيري داعشي[5]، اتخذ الجدال أبعادا خطيرة، باعتبار أن النصين فهما رسالتي على أن موضوعها الكتاب ذاته، وحصريا التشهير بما فيه من مظاهر انتحال وتمويه، كشأن مقالات أخرى تظهر بين الفينة والفينة حول ظاهرة الانتحالات في الأبحاث العلمية التي استفحلت بشكل واسع في الجامعة التونسية.

وإذا كان من عادة المنتحلين المشهر بهم والمتستّرين عليهم اللوذ بالصمت في مثل هذه الحالات، تاركين من قام بالتشهير « ينعق » ومراهنين على أن سلطة الإشراف لا تملك الإرادة للحدّ من هذه الظاهرة، فإن الأمر اختلف في هذه الحالة باعتبار أن من مارس الانتحال ومن لم يتخذ الإجراءات المناسبة حين وصل إليه التقرير المستدلّ على الانتحال قدّرا أنها يمتلكان الأدوات المعرفية والأخلاقية التي تخوّل لهما الخروج إلى الإعلام ب »ثقة في النفس » ل »قلب الطاولة » عليّ، وذلك باستغلال معطى أولي متمثّل في أنني لا أنتمي إلى « علماء الدين » (خريج آداب ولست خريج علوم شرعية في تكويني الأصلي)، بينما صاحب الكتاب ومن يشهد له بعدم الانتحال من علماء الدين الزيتونيين الأصلاء، وذلك بغية الإيهام بأن للمسألة خلفية أخلاقية دينية.

يبدو هذا المقال، وما سيليه من مقالات في الموضوع عينه، مندرجا في إطار الردّ والدفاع عن نفسي تجاه ما طال شخصي من تكفير وطعن في أهليتي الأخلاقية والعلمية، وهو أمر صحيح ولا يمكن إنكاره، وسيكون مدارا للجزء الأول من هذا المقال بالأساس. بيد أنني أقدر أن ما يباطن هذه « ّالخصومة » التي تبدو ذاتية من إشكالات إنما هو تجسيد من التجسيدات المتعيّنة لقضايا عامة على غاية من الخطورة، لذلك رأيت من المناسب أن استغل هذه الفرصة، من جهة موقعي كباحث في قضايا الفكر العربي والإسلامي المعاصر، لأصوغ في شأن هذه القضايا بعض الأفكار الأولية في قسم ثان من المقال.

 في الإيهام بأن المسألة محسومة ب »علوم الرواية والرجال »

  بتأملي في « التوضيح » و »البيان » رأيت أنهما يعتمدان استراتيجية خطاب مشتركة قوامها المراهنة على منطق علوم الرواية والرجال في العلوم الإسلامية الكلاسيكية (علوم الحديث النبوي تخصيصا). ففي النصين ثمة تجريح لشخصي وتعديل للجنة التي قضت بترقية صاحب الكتاب إلى درجة أستاذ تعليم عال. فشخصي، حسب صاحب الكتاب،  » ركب الصعب والذلول وتسلح بالكذب والتحامل وتمترس بالتحيّل والتشكيك وهي الطرق الايديولوجية الرخيصة التي يمارسها هذا الصنف من المتحاملين على الإسلام وعلومه وأهله قرونا من الزمن على طريقة المستشرقين ونقاد الإسلام من الحداثيين الاستعاريين » (هكذا بدون أي دليل). في حين أن « لجنة التقييم والترقية بجامعة الزيتونة [هكذا وهذه وحدها تفيد الجهل الفظيع لهذا الأستاذ الدكتور][6]هي تتكوّن من خيرة أساتذة الجامعة التونسية من المتخصصين في العلوم الإسلامية برتبة  دكتور أو دكتور دولة، وفي أعلى الرتب العلمية والأكاديمية ».

وإذا كان « البيان » سلك منهجا تكفيريا صريحا من أجل تحقيق الغاية التجريحية، فإن « التوضيح » سلك طريقا آخر لنفس الغاية، باعتبار أن التجريح في شخصي جاء فيه مباطنا لتعديل أعضاء اللجنة المذكورة، فقد عمد « التوضيح » إلى ذكر أعضاء اللجنة بأسمائهم، وهم: محمد الشتيوي ونور الدين الخادمي وعلي العلوي، خالعا عليهم أعلى صفة يمكن أن يوسم بها الجامعي « الأستاذ الدكتور » (في حين اكتفى معي بصفة دكتور فحسب رغم أن لي الصفة نفسها). من الواضح أن التنصيص على أسماء أعضاء اللجنة يدخل في إطار خطة المراهنة على منطق علمي الرواية والرجال في خطاب « التوضيح »، عبر استغلال الرمزية التي يمثّلها اسم نور الدين الخادمي باعتباره وزيرا سابقا للشؤون الدينية (وفي أي حكومة؟؟) وهو أحد أشهر وجوه الحراك الإسلامي على الساحة اليوم، وكذلك الرمزية التي يمثّلها اسم محمد الشتيوي وهو أحد أكثر أساتذة الزيتونة ظهورا في المجال العام وحديثا عن رأي الإسلام في قضاياه.

بعد هذا التقديم المثقل بالرمزية، يقول رئيس الجامعة حرفيّا: « خلصت اللجنة، المؤهلة، علميا وأخلاقيا، وبالإجماع بأن عمل الباحث لا شائبة فيه وبريء من تهمة الانتحال ». ومفاد هذا القول الواضح أن مسألة الانتحال قد حُلّت بشكل قاطع (حتى أنه لم يكلّف نفسه بختم الكلام بـ « والله أعلم » على طريقة علماء الإسلام في تحرير الخلاف) عن طريق « علم الرواية » و »علم الرجال ». لقد غدا الانتحال في كتاب الشوالي بمقتضى هذا النص « خبر آحاد » أما انتفاء هذا الانتحال فهو « خبر متواتر »، بل هو « حكم شرعي » قطعي باعتماد الأصل الشرعي الثالث من حيث الحجية الذي هو « إجماع العلماء المؤهلين علميا وأخلاقيا » للبت في المسألة. على هذا النحو يكون خبر أو حكم انتفاء الانتحال صادرا عن ثقات عدول غير مجرحين لا في دينهم ولا في علمهم ولا في أخلاقهم. وهذا يعني ضمنيا حسب هذا النص أن خبر الانتحال صادر عن فرد مطعون في أخلاقه وعلمه ودينه (إذا ربطنا الأمر ب »البيان ») إنّه باختصار نبأ من « فاسق »، تبيّنه العدول الثّقات قبل أن يتمّ رمي صاحب الكتاب بضلالة.

وبصرف النّظر عن قانونية إحالة رئيس الجامعة لتقريري على أنظار اللجنة المذكورة واطلاعه على مداولاتها، وهي مسألة لا تعنيني ولا أريد أن أتوسّع فيها لأنها ذات طابع إداري، فإني أتساءل: ما دام قد كشف أن اللجنة بلغها التقرير وأنّها تداولت في قضيّة الانتحال وأنّها انتهت إلى حكم البراءة بالإجماع، فلماذا لم ينرني وينر الرأي العام في « التوضيح » المنشور بمستند هذا الإجماع؟؟ وهو أمر من المفروض ألا يخرج عن احتمالات ثلاثة:  فإما أن الوثائق الإلكترونية التي زعمت أن الشوالي نقل عنها والتي عيّنت عناوين روابطها في التقرير وأثبتها في شكل صورة شاشة غير موجودة (أي افتعلتها). وإما أنها موجودة ولم تثبت المقارنة وجود تماثل بينها وبين الفقرات التي أشرت إليها في كتاب الشوالي. وإما أن التماثل موجود وهو لا يعني انتحالا. إن سكوت رئيس الجامعة على مستند الإجماع، هو دليل عندي على أنه تعمّد قاصدا القول بأن المسألة محسومة بـ « علم الرجال » وأنّه بـ « الرجال يعرف الحق ».

… لكننا في زمن الثورة الاتصالية والانترنت

قبل كل شيء لابد أن أذكر، كما ذكرت في تقرير التحكيم الذي صغته في شأن هذا الكتاب، بالمرجع الذي على أساسه خلصت إلى وجود مظاهر انتحال فيه. وأعني به مرجع الأمر الجمهوري المقترح من وزير التعليم العالي عدد 2422 المؤرخ في 23 جوان 2008 الذي يعدّد في فصله الرابع حالات الانتحال العلمي التي منها « عدم ذكر مصدر كل معلومة بدقة وأمانة عند النقل الحرفي للنصوص » وعند « استغلال معلومات منشورة على شبكة الانترنت … » ، وكذلك « عدم وضع الاستشهادات المنقولة عن مؤلفين آخرين وترجمتها بين معقفين » … إلخ. وأنا اقطع هنا أنه إذا أردنا أن ننسب أو نضع موضع خلاف وجود الانتحال من عدمه في هذا الكتاب فلن يكون ذلك بالضرورة إلا خارج إطار مرجع هذا الأمر، أما في إطاره، أي في إطار المرجع الرسمي المعتمد في الجامعة التونسية، فوجود هذا الانتحال مسألة متأكدة وثابتة ومطلقة وقاطعة وباتة وإلى غير ذلك من النعوت التي يمكن أن يسعفنا بها المعجم العربي في هذا المعنى. ولقد أوردت في تقريري خمسة نماذج للانتحال في الكتاب على سبيل التمثيل لا على سبيل الحصر (نموذج من كل مئة صفحة لبيان استفحال الظاهرة)، وفيها حدّدت صفحات مخصوصة من الكتاب وعيّنت الوثائق الإلكترونية التي تمّ النقل عنها في كل صفحة وعيّنت عناوين روابطها وأثبتها في شكل صورة شاشة. وقد اضطررت إلى نشر هذه النماذج على صفحتي على الفايس بوك (وبعد هذه التطوّرات الحادثة) وأمددت المنبر الذي ينشر هذا المقال بنسخة منها، لكي يتمكن كل من يريد ذلك من العودة إليها والتأكد ممّا هو قطعي الثبوت عندي، أعني انطباق هذه النماذج على حالات مخصوصة من الانتحال العلمي كما يضبطها الأمر المذكور، وهي الحالات التي ذكرتها أعلاه تدقيقا، فهذه النماذج تنطبق عليها حالات عدم ذكر المصدر عند النقل الحرفي للنصوص وعند استغلال معلومات منشورة على شبكة الانترنت (لا بدقة وأمانة ولا بغير ذلك) ، وعدم وضع الاستشهادات المنقولة عن مؤلفين آخرين وترجمتها بين معقفين.

الأمر في هذه النماذج لا يتعلّق، يقينا، بما قال الشوالي إنه « تشابه ضروري قهري يحدث بين الباحثين حين ينقلون النظريات من مصادرها التأسيسية مع التزام النزاهة والمصداقية العلمية، …. كأن يغرف الماء عشرة أشخاص أو مائة أو ألف من إناء واحد، فالماء واحد ولا يلزم من تشابهه أن أحدهم أخذ عن الآخر تماما على الإطلاق ». فالأمر لا يتعلّق بـ « تشابه »، بل بتطابق شبه كلّي في بعض الأحيان وكلّي مطلق في أحيان أخرى بين نص الشوالي ونص المقال الالكتروني لا يمكن أن يحدث بمحض الصدفة، بل بكون اللاحق قد نقل عن السابق. وعلى سبيل المثال، ولأن المجال لا يسمح بالتوسّع، أشير إلى أني أثبت وجود فقرة في صفحة 344 من الكتاب قوامها 190 كلمة متطابقة في لفظها، وبالتتابع نفسه، مع فقرة في دراسة منشورة الكترونيا قبل هذا الكتاب بسبع سنوات[7]. ورغم أنّني كنت على يقين تام بأن الشوّالي قد نقل هذه الفقرة عن المصدر الالكتروني المذكور فإني، ومن باب الاحتذاء بالمطلب الإبراهيمي « ليطمئن قلبي ». عدت إلى الإحالة التي وضعها في هذه الفقرة لأتأكد ممّا كنت متأكدا منه يقينا، وهو أنه لم يعد إلى « منبع الماء » كما يزعم، بل نقل عن هذا « الإناء » بالذات. فهو يحيل في ص 344 على ترجمة انجليزية لكتاب دي سوسير « دروس في الألسنية العامة »، وقد كان قبل ذلك يحيل على ترجمة عربية، والسبب واضح هو أن الفقرة التي نقلها تحتوي على مقابلات انجليزية. وبعودتي إلى الصفحات المحال عليها من طبعة هذه الترجمة الانجليزية (كما نصص عليها الشوالي)[8]، تبيّن لي أن هذه الصفحات مخصوصة بمقدمة الدارسين وليس بمتن دي سوسير وأن مضامينها لا صلة لها بمضامين الفقرة المنتحلة. وكذلك ورغم أن ما قدمته من نماذج خمسة كان كافيا للقطع بوجود الانتحال في هذا الكتاب، فإني، ومن باب « ليطمئن قلبي » أيضا، اختبرت مقاطع عشوائية أخرى من الكتاب، ولم يدم بحثي طويلا حتى عثرت على نموذج آخر للانتحال أكبر من حيث الكمّ. فما بين الصفحتين 111 و114 ينقل الكاتب عن دراسة منشورة الكترونيا منذ 2011[9] ما يفوق 700 كلمة في شكل فقرات مستنسخة بالحرف في الأغلب الأعمّ.

« بروفة » فاشلة ومشكلات معرفية وأخلاقية

لم يتوان رئيس الجامعة ومؤلف الكتاب في الردّ العلني على رسالتي، واثقين أنهما يملكان، من حيث أنهما « عالما دين »، ما لا يملكه غيرهما من المنتحلين والمتستّرين على الانتحال من « علماء الدنيا الفانية »، أي يملكان إمكانية جرّ مسألة الانتحال في هذا الكتاب إلى منطقة علوم الرواية والرجال، وذلك على سبيل المراهنة على رمزية عالم الدين لتسفيه مزاعمي عبر الإيهام بأنها صادرة عمن هو دون الأهلية العلمية والأخلاقية لهذا العالم (وهو الحدّ الأدنى الذي اكتفى به « التوضيح ») وعمّن هو النقيض المطلق لهذا العالم، أي الجاهل المعادي للدين أصلا (وهو الحدّ الأقصى الذي ذهب إليه « البيان »). بيد أن مصير هذه « البروفة » في تفعيل علوم الرواية والرجال لا يمكن أن يكون غير الفشل. فعلى فرض صحة كل ما طال شخصي من تجريح، فإن ذلك لن يؤثر في الأمر شيئا، وذلك لسبب بسيط جدا  يتمثّل في أن قولي بوجود انتحال في هذا الكتاب ليس « علما في صدري » أزعم نقله عن أموات، بل استدلالا أعيّن أدلته على الانترنت، والطريق إلى نقض هذا القول لن يكون بغير نقض أدلته، وها أنا انتظر إن كان ثمة من يقدر على فعل ذلك؟

إن هذه المحاولة الفاشلة في تفعيل علوم الرواية والرجال تثير، في تقديري، الكثير من المشكلات المعرفية والأخلاقية ذات الطابع العام والموضوعي تتجاوز بكثير حدود المربع الأول الذاتي الضيّق الذي انطلقت منه في كتابة هذه الأسطر (دفاعي المشروع عن نفسي). ويمكن الانطلاق في تشخيص بعض هذه المشكلات ممّا يمكن أن يفيده توهّم صلاحية علم الرجال، أو بالأدق توهم إمكانية توظيفه على هذا النحو، في زمن الثورة الاتصالية والانترنت. ويمثل هذا التوهّم، في نظري، حالة متعيّنة لما يمكن تسميته بضمور، أو ربما انعدام، الحسّ التاريخي لدى فئة مخصوصة من المسلمين المتديّنين تتألف خاصة من العلماء التقليديين وقسم من أنصار الإسلام السياسي. والإشكال المحيّر هو لماذا الإصرار على تفعيل هذه العلوم وقد انتفت شروطها الموضوعية (علّتها بلغة القدامى)؟ فلقد كان وجودها مشروطا ضرورة بالزمن الذي كان فيه العلم/الرواية مخزونا « في صدور الرجال »، وتقلصت الحاجة إليه بشيوع الكتابة وانتفت تقريبا بظهور الطباعة وتطوّرها، فما بالك اليوم وقد غدت المعلومات محمّلة في مليارات الصفحات الرقمية وفي متناول عموم الناس؟ إن توظيف هذه العلوم في هذا الزمن يمثّل إشكالا في حدّ ذاته، فما بالك بتوظيفه في سبيل إبطال حقّ (قولي بوجود انتحال في كتاب الشوّالي) وإحقاق باطل (نفي تهمة الانتحال)؟ ألم يكن يدور بخلد المراهنين على هذا العلوم أن هذا « المعادي للإسلام » (لنفترض جدلا أني كذلك) قادر أن يثبت للرأي العام بسهولة أن علماء الزيتونة الأربعة (رئيس الجامعة وثلاثة أعضاء لجنة الترقية) الذين أجمعوا على أن عمل الشوّالي « لا شائبة فيه وبريء من تهمة الانتحال » قد كان بين أيديهم (في تقريري الذي قرأوه) ما يفيد قطعا بأن في هذا الكتاب فقرة قوامها 190 كلمة متطابق في لفظها، وبالتتابع نفسه، مع فقرة في دراسة منشورة إلكترونيا قبل هذا الكتاب بسبع سنوات؟ كيف يبرر هؤلاء السادة قولهم بأن هذا الأمر لا يرتقي حتى إلى مستوى « الشائبة »؟ أ يقولون، على خلاف بقية خلق الله، بإمكانية أن ينتج السيد الشوالي مقطعا نصيا بهذا الحجم مطابقا لمقطع نصي سابق عليه في الظهور؟ ولو فرضنا أن ذلك حدث من باب الصدفة النادرة، ألا تنفي النماذج الأخرى إمكانية هذه الصدفة؟ وماذا يقولون في النموذج الذي أخبرت به والذي يفيد أن التطابق بين مقاطع في كتاب الشوّلي ومقاطع في دراسات إلكترونية يمكن أن يصل إلى ما أكثر من 700 كلمة؟ ألم يكن من الأجدر بهم أن يتحرّوا كما تحرّيت أنا؟ أليس التحرّي والتحوطّ والضبط من سمات العدالة والثقة في علم الرجال؟

ليعذرني القارئ على هذه التفصيلات « المملّة »، فأنا مضطر إلى ذلك حتى أقنع أني غير متجنّ على أي كان حينما أقطع بأن اجماع علماء الزيتونة الأربعة كان هذه المرة على إبطال حقّ وإحقاق باطل (شهادة زور)، وأن اقحام لعبة علم الرجال هنا لتسفهي خارج منطق العلم (مقارعة الحجّة بالحجّة) كان مغامرة غير محمودة العواقب، باعتبار أنه أفضى إلى الكشف عن حالة مشهودة عيانيا يتجسّد فيها وضع اقتران دراماتيكي ومفجع بين التضلع في علوم الدين والتديّن، أو بالأحرى إظهار التديّن وإظهار الذب عن الإسلام ومحاربة أعدائه من جهة، وبين التنكب عن قيم الحق والعدل والإنصاف من جهة أخرى.

وهنا أصل إلى الأخطر من إشكال الوسيلة (توظيف علوم الرواية والرجال في العصر الراهن) في هذه الحالة المتعيّنة، وهو إشكال الغاية (إحقاق باطل وإبطال حقّ) الذي هو من صميم المسألة الأخلاقية. فهل ثمة ما يبرّر هذا التضليل الذي مارسه هؤلاء العلماء؟ لنسلم جدلا بأقصى ما في الحالة القصووية من إمكان، أي لنسلم بأن الأمر يتعلّق برغبة عدو سافر للإسلام يريد أن ينال من كتاب عالم من علماء الإسلام فتح الله عليه بعلم نافع (طرح جديد كما يقول الشوّالي) يرد كيد الكفار والملحدين والمستشرقين (عهد عليّ أن أبيّن في مقالات لاحقة أن محتويات في هذا الكتاب تمثلّ عبئا على الإسلام وعلى الإسلاميين بالذات)، وأن واجب المسلم « الولاء » لهذا الكتاب ونصرة صاحبه و »البراء » ممن يعاديه، حتى في هذه الحالة القصووية أ يجوز لعالم الإسلام التنكب عن الحق والعدل والإنصاف والإدلاء بشهادة زور مفادها أن الكتاب برئ من تهمة الانتحال وبين يديه أدلة تقطع بثبوت الانتحال؟ أجيب بالقطع: كلاّ وألف كلاّ، ومرجع إجابتي هو « دليل شرعي قطعي الثبوت والدلالة »، على حدّ عبارة الأصوليين، يمثّله الأمر الإلهي في الآية الثامنة من سورة المائدة: « يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ » ولا يستطيع السادة العلماء أن يقولوا بأن الأمر الإلهي غير مطلق، وأن حالة العداوة أو البراء لا تدخل تحت هذا الأمر، لأن الآية تنصّص على هذه الحالة القصووية بالذات باعتبارها حالة لا تمنع العدل: « وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ». وإذا نزّلنا حكم الآية على واقعة الحال فالمؤكد أن بغضي (شنآني) المزعوم لما يتوفّر في هذا الكتاب من طرح فذّ سيفحم أعداء الإسلام وإلى الأبد لا يعطل حكم إنصافي حين أثبت بالحجة الدامغة أن الكتاب يتوفّر على انتحالات.

يثير هذا التعطيل الصارخ لحكم العدل والإنصاف في القرآن الكريم الكثير من الإشكاليات عندي، خاصة في وقت يبدو فيه الأساتذة قريسة والخادمي والشتيوي والشوّالي ضمن طليعة من ترتفع أصواتهم عالية اليوم في الذبّ عن أحكام القرآن بمناسبة قضية قانون المساواة في الإرث. ولست هنا في موضع مناقشة السادة العلماء الأجلاء بشأن إيمانهم ببعض ما يعتبرونه محكم الكتاب (الآية 11 من سورة النساء) مداره على أحكام في شؤون دنيوية نسبية ومتغيّرة (أعني حالات الإرث نسبية ومتغيّرة)، ولكني أتساءل عن سرّ تعطيلهم المؤكد، في هذه الحالة التي أنا طرف فيها، لبعض آخر ممّا هو ثابت أنه من محكم الكتاب وقطعي دلالاته مداره على قيم مطلقة في مثاليتها (العدل والحق والانصاف). بمعنى آخر، ما الذي يجعل العالم المسلم، وبالتدقيق الإسلامي، في سياق فعل ما يراه نصرة للإسلام، يتنكّب عن قيّم قرآنية قطعية، هي من أفضل ما يمكن أن يتباهى بها المسلم في عالم اليوم (مثل العدل والإنصاف)؟

طبعا أستطيع هنا أن أنخرط في سرد التوصيفات الكلاسيكية المستهلكة التي مؤداها أن الذين يزايدون على عامة المسلمين في إبراز تمسكهم بالإسلام والسير على تعاليمه … إلخ هم، في واقع الأمر، لا يفعلون سوى أنهم « يوظفونه » أو « يتجارون به » أو « يتسترون به » لتحقيق أغراض دنيوية أو مصالح شخصية … إلخ. صحيح أن مثل الكلام يبدو في ظاهره مشروعا بالنسبة إليّ خاصة وأني قاطع في أن السادة العلماء قد غلّفوا بغلاف الإسلام (التجريح في شخصي) موقفا يضرب في الصميم قيمة العدل المنصوص عليها بنص قرآني محكم الدلالة. غير أني لا أريد أن أبقى في هذا المستوى الشخصي والسطحي الذي لا يتجاوز المناكفة والمماحكة. وأنا أميل، في هذا المنعطف بالذات، إلى طرح الإشكال ضمن إطار أكثر موضوعية بالتأمل في هذه الحالة المخصوصة التي حفزّت كتابتي لهذه الأسطر، فهي في الأخير تبقى حالة تافهة ولا معنى لها، إذا ما قيست بحالات تجسّد المفارقة عينها على نحو تتجاوز خطورته بالكثير الكثير. ذلك أننا حين ندقّق النظر، نرى أن مفارقة التضحية بقيّم مبدئية وأخلاقية من صميم المحكم من منصوص القرآن في مجرى حراك عملي يرفع هدف « الدفاع عن الإسلام » هي مفارقة هيكلية تسكن الكثير من مظاهر الحراكات الإسلامية الراهنة، وأخطرها على الإطلاق جهاد الجماعات الإسلامية التي نراها بوضوح، وهي تعلن هدف إعلاء كلمة الله، تنقض تماما منصوص قوله الصريح (…‏مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي  الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً …). ومن الظواهر التي تدخل في نطاق هذه المفارقة الهيكلية كذلك نذكر ممارسات أحزاب الإسلام السياسي التي تجد نفسها يوميا تمارس ضروبا من الكذب والخداع والمخاتلة والتلوّن الزئبقي في المواقف المبدئية في وقت تقدم نفسها من حيث كونها قوى تبشّر بمشروع بقرن السياسة بأخلاق الدين (الصدق والأمانة والإخلاص لمرضاة الله …) ويمثّل بديلا من العلمانية التي فصلت السياسية عن الدين والأخلاق وقادتها إلى « مهاوي الرذيلة والانحطاط والفساد ».

لعل فضل الحالة المخصوصة التي انطلقنا منها، على « تفاهتها »، كامن في أنها يمكن أن تلعب دور « العيّنة المجهرية » التي تساعد على عملية التحليل والتشخيص. فمن الواضح أن ما دفع السادة العلماء إلى إتيان شهادة زور رغم توفّر الأدلة عندهم هو مبدأ نصرة « أخيهم الزيتوني » الذين تجمعهم به رابطة « الذب عن الإسلام » ضدا عن « علماني » من جماعة الآداب الذين « يكيدون للإسلام ». لست هنا في موضع مناقشة هذه الأوهام، وسأفترض دوما من باب الجدل أنها صحيحة (سأعود إليها حين سأتناول محتويات الكتاب)، لأني أريد أركّز على فكرة مركزية مؤداها ان تحويل الإسلام إلى مدار لهوية مغلقة تتمتّرس خلفها جماعة من الناس يؤدي عمليا، بوعي أو بغير وعي، إلى التضحية بأبعاده القيمية والأخلاقية. فيبطل الإسلام، وفق هذا المنطق الهوياتي الضيّق، أن يكون « رحمة للعالمين » كما في صريح نصه، بل قد يستخدم ستارا للتغطية على شائن الأفعال. هذا ما تجسّد عينيا في مواقف السادة علماء الزيتونة الذين رفضوا انصافي، وهم مأمورون نصيا بذلك، وخيّروا التستّر على « أخيهم الزيتوني » في إتيان فعل مرذول علميا وأخلاقيا فيه استلاء على جهود الآخرين للتظاهر ب »غزير علم ». فإلى أي حدّ يكون من المشروع لنا تجريد وتعميم هذا الاستنتاج المستخلص من هذه العينية المخصوصة؟ بمعنى إلى أي حدّ يمكن القول بأن أزمة الجماعات التي تصرّ على النظر للإسلام بمنطق هوياتي ضيّق (جماعات الإسلام السياسي بصورة عامة) إنما هي أزمة هيكلية مجسّدة في كون هذه الجماعات تجد نفسها تعطّل محكم القرآن الأخلاقي والقيمي من حيث أنها تدعي إرادة تسويد حكم الإسلام؟ سؤال خطير جدا لابدّ من مزيد التفكير يه حسب تقديري.

 

 الهوامش

[1]  منشورة على الرابط https://www.turess.com/alchourouk/2039087

[2]  عزوز الشوّالي، نظام اللسان ومنهج البيان في تحليل الخطاب الشرعي الإسلامي « القصدية في المواجهة الاعتباطية » (منشورات مركز الدراسات الإسلامية ومجمع الأطرش، 2017)

[3]  المنشور بالموقع الرسمي للجامعة على الرابط: http://www.uz.rnu.tn/wp-content/uploads/2019/01/eclair.pdf ،

[4]  منشور على الرابط https://www.turess.com/alchourouk/2040329

[5]  انظر ردي على موقع اسطرلاب على الرابط http://www.astrolabetv.com/ar/%D8%A8%D8%B9%D8%AF-%D8%B4%D8%A8%D9%87%D8%A9-%D8%B3%D8%B1%D9%82%D8%A9-%D8%B9%D9%84%D9%85%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%A7%D9%85%D8%B9%D9%8A-%D8%B3%D9%87%D9%8A%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%A8/

[6]  نفيد القارئ غير الجامعي أن اللجنة المعنية هي اللجنة الاستشارية الوطنية (من تشكيل وزارة التعليم العالي وليست تابعة لجامعة الزيتونة) الخاصة بالترقية إلى أستاذ تعليم عالم في مادة الفقه وأصوله.

[7]  مقال « فرديناد دي سوسير »، موقع اللمة الجزائرية منشور بتاريخ 7 أوت 2010 على الرابط https://www.4algeria.com/forum/t/260624/

[8]  المنشورة على الرابط http://home.wlu.edu/~levys/courses/anth252f2006/saussure.pdf

[9]  رياض حمود حاتم، « اللغة والكلام وأثرهما في المدارس اللسانية » منشور بموقع كلية الدراسات القرآنية جامعة بابل، صفر 1432هـ   –  كانون الاول2011م على الرابط: http://www.uobabylon.edu.iq/uobColeges/service_showarticle.aspx?fid=19&pubid=221


فيديو لحاتم القرمازي الشّاب المسجون لأنّه إخترع صاروخ "تونس حرّة"
الرّقاب/ بالفديو: الأمن يهشّم دكّان مواطن
بالفيديو: راوية علّاقي تروي تفاصيل إعتداء القيّم العام على والدتها
وقفة احتجاجية تطالب بالكشف عن الأطراف المتورطة في قضية اغتيال الشهيد شكري بلعيد
سندس قربوج: لهذه الأسباب يصبح أبناؤنا إرهابيّين
بالفيديو: ومضة تحسيسيّة رائعة
قدماء مناضلي الاتحاد العام لطلبة تونس يهددون بطلب اللجوء السياسي
حمّه الهمّامي يروي لأوّل مرّة ذكريات 14 جانفي 2011 في دهاليز الدّاخليّة (الجزء الثالث)
حمّه الهمّامي يروي لأوّل مرّة ذكريات 14 جانفي 2011 في دهاليز الدّاخليّة (جزء ثاني)

حملة "سيّب القائمة" تتهم الشاهد وبودبالة...

خطة تربوية لفائدة الأطفال ذوي القدرات...

القيروان: الحكم بالسجن 75 عاما على موظف...

جندوبة : تعليق العمل في جميع المحاكم

عدم الترفيع في كلفة القروض السكنية...

الجودي : الترفيع في نسبة الفائدة المديرية...

سعيدان : الترفيع في نسبة الفائدة المديرية ...

مصدر نقابي من الجامعة العامة للبنوك يعلق ...

اكتشاف كوكب عملاق خارج نظامنا الشمسي قد...

رجة أرضية شرق جزيرة قوريا من ولاية المنستير

ظاهرة فلكية نادرة تجمع الزهرة والمشتري في...

الخسوف الكلي لقمر" الذئب الدموي العملاق "...

رفيف الكلام " بقلم عمار جماعي ( الخال ) "جمر...

تراث العرب والمسلمين في الأندلس: هل...

رحيل الأديب محمد الهادي بن صالح

الروائية سعاد الفقّي بوصرصار : الخطاب...