Quantcast

في تفسير أحلام قيس سعيد : ما وراء الشرعية والمشروعية ، "إذا خلا لك الجو فبيضي وفرخي " بقلم د شاكر الحوكي *

 

تعد اطروحة ماكس فيبير في الشرعية السياسية فتحا معرفيا في الفكر السياسي يصعب تجاوزه؛ اذ أضاف معطى أساسيا مقارنة بما سبقه في تعريف الشرعية

وتتعلق  الشرعية لديه بالمقبولية التي تحصل ضمن علاقة الحاكم بالمحكوم؛ أي اللحظة التي تجمع بين الرغبة في السلطة من قبل طرف ما والتعبير عن الاستجابة والطاعة لتلك السلطة من قبل أطراف أخرى؛تلك اللحظة الذي يصفها فيبر بالحظ la chance ويترجمها أستاذ العلوم السياسية بكلية الحقوق والعلوم السياسية حمادي الرديسي بالبخت. وهو الأمر الذي يجعل الشرعية تتميز عن حالة القوة والقهر.

ويميز ماكس فيبر بين ثلاث شرعيات؛ التقليدية والكاريزميةوالعقلانية بحسب تطور المجتمع والمجال السياسي الذي تمارس فيه. وقد باتت تلك النمذجة أساسا لدراسة أنظمة الشرعية عبر التاريخ والجغرافيا. فالشرعية التقليدية هي تلك التي تقوم على أساس النسب والدين والروابط الاجتماعية في حين أن الشرعية الكاريزمية تقوم على فكرة الزعيم الملهم الذيينقاد إليه الجماهير ويدبر شؤونهم منفردا بناء على بطولاته السياسية أو العسكرية التي تجد أثرها السحري لدى من يقع عليهم مفعول شخصيته.

أما الشرعية العقلانية فخلافا للشرعية التقليدية والكاريزمية فأساسها القانون والدستور بماهو الإطار المرجعي لممارسة السلطة وتقوم على الارادة الشعبية وتمارس عن طريق الاقتراع الحر والتداول السلمي على السلطة.

أما عن المشروعية فتنقلنا من علم السياسية والفلسفة والاجتماع الى القانون العام بفرعيه الدستوري والإداري في إطار العلاقة بين قاعدة قانونية وأخرى وفقا لهرمية القوانيين التي نظر إليها هانس كلسن ونعثر على أثرها في جل الأنظمة القانونية وتفترض خضوع القاعدة القانونية الأدنى للقاعدة القانونية الأعلى منها. وفي صورة مخالفة هذا البناء التراتبي، يصبح القرار معيبا بعدم المشروعية. ومن هنا اعتبر القاضي الاداري قاضي المشروعية بما أن التحقق من هذا الأمر يعود إليه. وبهذا المعنى يمكن القول إن الشرعية اطارها سياسي بينما المشروعية إطارها قانوني.  غير أن ما تحدث عنه رئيس الجمهورية قيس سعيد من شرعية ومشروعية يبدو مختلفا تماما عما تقدم من طرح.

فالشرعية حسب ما ورد في خطابه الأخير هي مجلس نواب الشعب الذي تصدر عنه القوانين.. أما المشروعية فهي نفسه أو ما يمثله من حضور وافكار.. والمفارقة التي نفهمها من خطابه هي أن الشرعية تملك جل أو أهم الصلاحيات، ولكنها تفتقد الى الشعبية والمقبولية في حين أن المشروعية ويمثلها رئيس الدولة بوزنه الانتخابي العريض فإنها تعجز أن تترجم نفسها عمليا.. لذلك وجب أن تتماثل حسب رأيه المشروعية مع الشرعية وأن تخضع الشرعية للمشروعية؛ غير أن المدهش أنه ينطلق من قراءة للشرعية والمشروعية لا علاقة لها بالفكر السياسي ولا الفكر القانوني.

والأخطرمن سوء فهمه لأكثر المفاهيم بداهة في الدراسات القانونية والسياسية هو ما يرمي إليه من خلال هذا التمييز المسقطعلى الواقع التونسي وكأن ثمة فكرة تخامر ذهنه تحاول البروز ولكنها لا تجد السياق المناسب. ليس صدفة إذا أن يدافع عن حق المواطنين في تغيير الواقع لما يخدم مشروعه…وأن يشجب محاولات مجلس نواب الشعب إحداث تعديلات على النظام الداخلي تمنع السياحة الحزبية؛ وأن ينتصب محل الهيئة الوقتية لمراقبة مشاريع دستورية القوانين فيفتي فيما هو دستوري وغير دستوري، وأن يرفض ختم القوانين التي من شأنها أن تعقلن المسارات الانتخابية ونتائجها بالترفيع في نسبة العتبة.. بل ويمتنع الى حد الآن عن تقديم أي مبادرة تشريعية لمجلس نواب الشعب.  وكأنه يضع كل رهاناته على انفجار مجلس نواب الشعب وانحلاله من الداخل وتبعا لذلك انحلال الاحزاب برمتها؛ ومن المؤكد أنه يتابع تشضي حزب قلب تونس بكل ارتياح، ويتابع تهريج عبير موسي بكل ابتهاج حتى يتهيأ له السياق والمقام لينفذ ما قاله الراحل الباجي قايد السبسي ردا على خصومه مقتبسا  عجزا معدلا  من بيت لطرفة بن العبد:  » فاذا خلا لك الجو فبيضي وفرخي.   »  يقول طرفة :

        يا لك  من قبرة بمعمر  … خلا لك الجو فبيضي واصفري  … 

     قد رُفِعَ الفَخُّ، فماذا تَحْذَري؟    … ونقّري ما شئت أن تنقّري 

فالرجل الذي بنى حملته الانتخابية على نهاية الأحزاب، وسحب الوكالة من النواب في أي وقت.. والانتخاب على الأفراد عوضا عن القائمات الحزبية.. والصلح الجزائي مع رجال الاعمال بديلا عن العدالة الانتقالية.. لن يستسلم لواقع الأمر؛ رغم أن الفكر السياسي والدستوري قدم حلولا كثيرة لتجاوز أزمة التمثيلية النيابية دون الرجوع الى مقترحات القرن التاسع عشر . وسيظل يتحين الفرصة المناسبة ليفرض رؤيته؛ فهو لم يطلق برنامجه ذاك للوصول الى السلطة أو يخادع به الناس بقدر ما أطلقه لأنه يؤمن به ويعتقد أن الشعب انتخبه من أجل تحقيقه. والان وقد أصبح رئيسا يجد نفسه ممزقا بين حلمه الذي شرحه مرارا وتكرارا ويرى فيه عين الخلاص وبين الواقع الذي يحاصره ويمنعه من أن يحول الحلم الى حقيقة. إن جزءا من مشكلة البلاد اليوم هي مشكل الواقع والحلم الذي يتخبط بينهما رئيس الدولة. الحلم الذي لا يريد أن يتبخر والواقع الذي يفرض عليه التحرك وفق المنظومة الدستورية القائمة؛ تلك المنظومة التي لم يؤمن بها يوما. وسبق له أن رفض حتى أن يشارك في لجنة صياغة الدستور وتدقيقه التي تشكلت قبيل المصادقة على الدستور. ولعل هذا ما يفسر الجفاء والبرود بينه وبين حركة النهضة لأنها بتماسكها وصمودها يراها عائقا أمام تحقيق مشروعه في تفكك مجلس نواب الشعب وانحلاله وانهيار منظومتي الثورة والانتقال الديمقراطي. ولكن من يدري ربما تصطدم النهضة بمناسبة مؤتمرها القادم بجدار التفكك والتفتت والانقسام ونكتشف أن رئيس الدولة يتمتع ببعد نظر وحدس مستقبلي لا يملكه غيره… من يدري ؟

شاكر الحوكي *

استاذ العلوم السياسية 

الجامعة التونسية 

 


فيديو لحاتم القرمازي الشّاب المسجون لأنّه إخترع صاروخ "تونس حرّة"
الرّقاب/ بالفديو: الأمن يهشّم دكّان مواطن
بالفيديو: راوية علّاقي تروي تفاصيل إعتداء القيّم العام على والدتها
وقفة احتجاجية تطالب بالكشف عن الأطراف المتورطة في قضية اغتيال الشهيد شكري بلعيد
سندس قربوج: لهذه الأسباب يصبح أبناؤنا إرهابيّين
بالفيديو: ومضة تحسيسيّة رائعة
قدماء مناضلي الاتحاد العام لطلبة تونس يهددون بطلب اللجوء السياسي
حمّه الهمّامي يروي لأوّل مرّة ذكريات 14 جانفي 2011 في دهاليز الدّاخليّة (الجزء الثالث)
حمّه الهمّامي يروي لأوّل مرّة ذكريات 14 جانفي 2011 في دهاليز الدّاخليّة (جزء ثاني)

تسريب اختبار الفلسفة الخاص بتلاميذ شعبة...

منوبة : السيطرة على الحريق الهائل في محيط...

أكثر من 133 ألف تلميذ يشرعون اليوم في اجتياز...

تطاوين : إضراب عام في المنشآت البترولية...

البنك المركزي التونسي يقرر الابقاء على...

بشير بوجدي : ضرورة التسريع في فتح المقاهي...

إعادة فتح محلات بيع الملابس: ما هي الشروط ؟

بسبب تعفن صابة البطاطا: فلاحو جندوبة يوجهون...

حدوث خسوف شبه ظل جزئي للقمر الجمعة

أستاذ في علم الفيروسات: الكلاب والقطط تنقل...

علماء الفلك يؤكّدون أن المجال المغناطيسي...

ناسا: كويكب ضخم يتجه نحو الأرض يوم 29 أفريل...

إطلاق إسم الراحل الشاذلي القليبي على مدينة...

مجلة " الحياة الثقافية " تعود إلى الصدور.....

توقيع رواية "عشتار، سيّدة الأسرار" لحياة...

رحيل المخرج صلاح الدين الصيد