Quantcast

كتابٌ إلى روح القائد عبد الرحمان عزيّز يوم وداعه ..

 

لا أحبّ تقريض الأموات ..

ولن أحبّ سِيرا باردة كثيرة ، بلا روح ، ستُكتبُ إليك.. سيعدّدون مناقبك و سيكثرُ ــ يا للعبث ــ أحباؤك  وأصفياؤك ..

ولا أحبّ أن أخاطب روحك المرفرفة بمألوف الكلام في مثل هذا المقام ..

أصدُقك القول ،، كان رحيلك أمس فجيعة في سماء الوطن المتجهمة .. صحيح أنّ خلاّنك الخُلّصَ   ــــ وقد علموا أنّ العلّة سكنت جسدك الناحل ــــ  وطّنوا النفس منذ أمد على توقّع ترجّلك ،، بيد أنّ انغراز سهم الموت في نفوسهم كان أليما لم يقتصد طعم المفاجأة المرّة ..

هل نُطيقُ أن نخلع ثوب اليتم ونحن نسير اليوم  في موكب تشييعك ؟

وماذا نقول ــ وقد جفّ الحلق ــ ساعة ننصرف عنك ، أنتَ الذي لم ينصرف قطّ عن أحد ؟

هل نخبر أولادنا أن « بابا عبدو »  الذي أحبّوه مثلما غمرهم بحبّه يريد أن يستريح من عناء السفر؟

هل نشرح لهم بعض أسرار شخصيّته الفريدة ؟ وماذا ترانا نقول ؟ وأنّى لنا أن نوفِيَــــه بعض حقّه؟

أيتها الروح، أخبري من في السّماء أنّك فارقت رجلا كان بالفعل استثناء ..

كان « الشِّيخ » (كما كنّا بملء الحبّ نناديه) لا ينقطع عن الابتسام .. عركته الأيّام و جارت عليه السنون فغدا ساخرا من المحن .. لم أعرف رجلا أنكر اليأس مثله فبات ملهم الأمل في أحلك الساعات ..

ولستُ أعرفُ مثالا لنكران الذات ، و أنموذجا للتواضع ، و صاحب قلب كبير سكنه همّ الأمّة و اتسع لأوجاع الناس في البلد مثل سي عبد الرحمان ..

سنقول لأبنائنا،صادقين، إنّه من طينة استثنائيّة فعلا .هو الرجل الذي لا ينام.. فإن أغفى ورفاقُه قربه يتجادلون أفاق ليخبرهم ما كانوا يقولون.. وهو الرجل الذي لا ينسى .. منحته الطبيعة ذاكرة تخترق زحام الأيّام و كثرة العدد من حوله .. وفي هذا كلّه، لا يذهل عن زيارة عليل أو السؤال عن عزيز في كلّ ملمّة ..أحبّ النّاس فأحبّوه .. وخدمهم فاحترموه .

وسنخبر أبناءنا أنّه قلّما تجد قارئا نهما مثله . يلتهم وسط انشغالاته الكثيرة الكتب التهاما، ولا يفوّت مقالا ذا أهمّية .. و »بابا عبدو » من القلّة التي تعشق العربيّة وتتقن الفرنسيّة و تُفتن بالترجمة ..

وهل علينا أن نخبر فلسطين أنّ أحد كبار المخلصين و أنّ عاشقا كبيرا قد رحل ؟ ألم يعرفه ــ وهذا بعض عالمه السّريّ ــ أغلبُ قادة ثوارها منذ عقود؟كان الوفاء إلى قضيّتها دائما معيار اصطفائه خلانه.

وهل نخبر رجال المقاومة الوطنية في لبنان أنّ صديقهم العتيق قد فارق ؟ سيكتبون ذات يوم ـ ربّما ـ ما كان يخبرهم به حين يرحل إلى لقائهم و ما كان يساعدهم فيه .

وكيف يبكيك رفاق عرفوك في سوريا ممّن يُنصتون إليك و يقاسمونك ذكريات في مجاهل أسرار عشقك دمشق و الجولان ؟

وهل توفيك قرقنة التي عشقت بحرها الممتدّ و تينها الباذخ بعض حقّك عليها ؟

وهل تنسى صفاقس الرجل الذي صنع في صمت بعض ربيعها ورفع سماء أحلام أبنائها؟

وهل يجحد عشرات من الشبان ممّن رافقتهم في مشاريعهم الصغيرة ضمن آليات الاقتصاد التضامني دورك و حقّك عليهم؟

وهل ينسى شبّان كثيرون أنّ أجزاء من مكتبتك الكبيرة انتقلت إلى بيوتهم لأنك آمنت دائما أن الكتاب أرفع الهدايا ؟

وأنّى لإخوتك في الاتحاد العام التونسي للشغل أن ينسوا « حكيمهم » المثابر طيلة عقود في مواقع كثيرة ؟

يحقّ لأبنائك أيمن وغسّان و حاتم  الذين أحببناهم أن يفخروا بأبيهم الذي كان سنديانة الشموخ  ومعدن التواضع و مدرسة المحبّة.. ويحقّ لرفيقة دربك « راقية » الراقية فعلا ،التي دخلت قلوبنا أن ترنو إلى الشمس  معتزّة بك وهي التي قاست معك أهوال حياتك الصاخبة ..

سأشتاق ملاحظاتك التي كنت لا تدخرها كلما نشرت مقالا ، و سأشتاق تعليقك على كلّ برنامج إذاعيّ أقدّمه . وسأشتاق أكثر قهوة نحتسيها في ركننا الركين في مقهى الأنوار قرب بيتك ..

لم تفقد تونس نفرا من فيالق مناضليها الأحرار .. فالراحل قائد كبير بحجم قضايانا القوميّة و المحلّية .. قائد فذّ من أولئك الذين يزهدون في الأضواء، ومن الذين عشقوا بلدهم حتّى آخر حشاشة .. هو رجلٌ صنع فعلا أجيالا من المناضلين وغرس فيهم ملكات الإيثار  وبذرة الإخلاص ، وعلّمهم أنّ الطريق طويلة وأنّ مسك الموقف الصحيح مثل القبض على جمرة النار ، فلا أنت تستطيع إلقاء جمرة تحتاجها، ولا أنت تستطيع إطباق يدك عليها خشية الاحتراق .

عاش سي عبد الرحمان شعلة نشاط تعزّ عن الانطفاء . لم ينس يوما أنّ أكبر الأحلام هو تخليص أمتنا من الاحتلال و من الهيمنة.. ولم يدّخر ساعة لخدمة قضيّة العرب ولم يتوقّف عن الأمل .

هل تسمح لي سي عبد الرحمان أن أختزل ما يشبه وصيّتك إلى رفاق النضال في عبارة واحدة ؟

كنتَ دائما تقول : لا معنى للروح الثوريّة طالما غابت الروح العمليّة ..

وداعا يا معلّمنا و قائدنا و قدوتنا

ليكن مرقدك سلاما و رحمة و طمأنينة

خالد كرونة ـــ كاتب من تونس

 

 


فيديو لحاتم القرمازي الشّاب المسجون لأنّه إخترع صاروخ "تونس حرّة"
الرّقاب/ بالفديو: الأمن يهشّم دكّان مواطن
بالفيديو: راوية علّاقي تروي تفاصيل إعتداء القيّم العام على والدتها
وقفة احتجاجية تطالب بالكشف عن الأطراف المتورطة في قضية اغتيال الشهيد شكري بلعيد
سندس قربوج: لهذه الأسباب يصبح أبناؤنا إرهابيّين
بالفيديو: ومضة تحسيسيّة رائعة
قدماء مناضلي الاتحاد العام لطلبة تونس يهددون بطلب اللجوء السياسي
حمّه الهمّامي يروي لأوّل مرّة ذكريات 14 جانفي 2011 في دهاليز الدّاخليّة (الجزء الثالث)
حمّه الهمّامي يروي لأوّل مرّة ذكريات 14 جانفي 2011 في دهاليز الدّاخليّة (جزء ثاني)

وزارة التعليم العالي توضّح مسألة الدروس عن...

كلية الآداب والفنون والانسانيات بمنوبة :...

رفض الإفراج عن سامي الفهري‎

عطلة بيوم واحد، الخميس 29 أكتوبر 2020، بمناسبة...

الترفيع في أسعار الكراس بـ25 بالمائة

خلال النصف الأول من 2020: عجز ميزانية الدولة...

البنك المركزي التونسي يقرر الابقاء على...

بشير بوجدي : ضرورة التسريع في فتح المقاهي...

حدوث خسوف شبه ظل جزئي للقمر الجمعة

أستاذ في علم الفيروسات: الكلاب والقطط تنقل...

علماء الفلك يؤكّدون أن المجال المغناطيسي...

ناسا: كويكب ضخم يتجه نحو الأرض يوم 29 أفريل...

من الذاكرة : أخوة الهلال والصليب بقلم...

تأجيل الدورة 36 لمعرض تونس الدولي للكتاب

تونس تسترجع القطعة الأثرية "الدرع البوني"...

منتدى أيّام قرطاج السينمائية: '' الماضي،...