Quantcast

كفى الناس "الفورماتاج" الميديائي واللعب بالتاريخ! بقلم عبدالعزيز لبيب

 

روى ابن شرف القيرواني، وكان مراقبا مطلعا وشاهد عيان، قال: «أمر ا[المعزّ الصنهاجي] كافة الناس بانتهاب الزروعات المحيطة بالقيروان وصبرة […]؛ فارتج البلد لذلك وعظم الخطب واشتد الكرب. ومدّ العبيدُ ورجالُ صنهاجة أيديهم إلى خشب الحوانيت وسقائفها واقتلعوها وخربت العمارة العظيمة في ساعة واحدة […] قال ابن شرف: أخبرني من أثق به قال: خرجت من القيروان، وسرت ليلا فكنت أكمن النهار، لم أمرّ بقرية الا وقد سُحِقت وأُكِلت، أهلها عراة أمام حيطانها، من رجل وإمرأة وطفل يبكي جوعا وبردا، وانقطع المير عن القيروان، وتعطلت الأسواق ». إثر ذلك استكمل الهلالية ما تركه بربر صنهاجة قائما في مدينة القيروان «فلم يتركوا على حيّ أو ميّت خرقةً تواريه» (ابن عذاري، كتاب البيان المغرب…).

لقد حدث ما حدث قبل ألف سنة وما تلاها، حلوه ومرّه. تبلور التاريخ وتكرَّس تاريخا مشتركا مُحالٌ أبدا أن يرجع على أعقابه. فكِّكْ ميكانيزمات التاريخ المواضي ما شئت وأعد التركيب على نحو ما ترغب فلن تُغيّر في عناصر التكوين الأولى. قد تُغيّر العدسات والمنظور. ولكن عدسات أخرى ومنظورات أخرى ستقابل منظورك وتخالفه. ألا إنّ الرغائب يدحض بعضها بعضا. ولكن المادة التاريخية الصلبة عنيدة وتدوم على حالها. وحده الحمق والهوى الجامح يُخيّلان للبعض منّا أنّ التاريخ على شاكلة فضاء افتراضي رخْوٍ فيمكن التلاعب به للتغرير بالحس العام ومن ورائه الحس الوطني في ساعات الحيرة والذهول، وهي محاولة في إجراء عملية « فورماتاج ميديائي » على أذهان الناس الطيبين، بعد أن اجتهد في ذلك المستعمِر من قَبلُ ولم يفلح إلا قليلا.

كان بدو زناتة البربرية قد زحفوا مرارا على القيروان وغيرها بسبب مجاعات كبرى، وكان ذلك قبل الهجرة الهلالية إلى إفريقية. غير أنّ مجاعات متعاقبة اجتاحت كذلك مصر في تلك الفترة نفسها؛ ويروي المقريزي مآسيها حيث أكل أهل القاهرة القطط والفئران واستنجد الفاطميون بالصليبيين لسفينة قمح، بل ومن النساء من « طبخت » وليدها في « قاهرة المعز » لانقاذ من يمكنه البقاء حيّا؛ طبعا لم تكن المرأة من أهل « الخيام السود ». وهذا هو السبب الحقيقي في الهجرة الهلالية من الصعيد إلى إفريقية؛ وقد صادفها محفز سياسي طارئ معروف ومكرور إذْ شجعهم الأمير الفاطمي على الهجرة بعد أن كان يحجّرها عليهم مطلقا أو يدفعون مالا كثيرا لمجرّد عبور النيل (ابن خلدون). وليس هذا ما يهمني هنا. فقد أردت بذلك الإشارة إلى أن التلاقي بين قبائل العرب وقبائل البربر مراوحا بين المنافسة والمصاهرة وانصهار بعضم في بعض قد أّلف بينهم فأنتج « خزّانا ديموغرافيا » للمغرب الكبير ومده « بدم » جديد وبقوة لولاهما لما صمد أمام توسع الممالك الأوروبية باسم النضال من أجل الصليب في ذلك الوقت (جاك بيرك)، ثم ولّد بالوقت عالما أنتروبولوجيا فريدا في المتوسط. ولئن حصل هذا الاجتماع البشري (بمعزل تماما عن الإدارة والسلطان والدين) فبسبب وحدة الشرط الوجودي بين قبائل العرب والبربر: البدواة، الاقتصاد الرعوي، شروط الكسب وقيم الفروسية في تلك الحقبة، قبل التوطّن والاستقرار ثم « العسكرة مع السلطان » كما يقول ابن خلدون. علما وأن أكثر قبائل الهلالية دخلت الاسلام في المغرب وليس في المشرق! أي بعد خمسة قرون من البعثة المحمدية؛ وعلى أيدي البربر الذين كانوا من قبل قد دخلوا حثيثا في حضيرته (محمد الطالبي): ويمكن القول بالتقريب إن البربر أعطوا العربَ إسلامهم مثلما العرب أعطوا البربر لغتهم. واحدة بواحدة. أضف أن للعرب خاصيتهم، مثل عديد الأقوام والشعوب والأمم، ومنهم بربر شمال إفريقيا، وهو كونهم لم يشكلوا قطّ عرقا مميزا (إثنية): ما يعرّفهم أكثر من غيرهم إنّما لغتهم وثقافتهم وفنهم (فيروز ما زالت تردد لعنترة بيتا له حوالي 1500 سنة: « فوددت تقبيل السيوف / لأنها لمعت كبارق ثغرك المتبسّم!) وعالمهم الرمزي وعناصر في أساليب عيشهم وهموم إنسانية وقضايا مشتركة فرضها عليهم الغير فجمعت بينهم طوعا أو قسرا. لذلك تمازجوا سريعا مع الغير. واستبعاد ثقافتهم من المغرب الكبير باسم « العرق » و »الدم » و »لون العينين » (هكذا!) كمن يطرق أبوابا مفتوحة أو يختلق شبحا لمكافحته.

وأما على مستوى التصعيد الفنيّ لذلك المصير المشترك، فانتشرت بين العرب والبربر سواسيةً غنائية سردية رعَويّة (« بِيكُوليك ») و »إيدِيلِيَّة » idyllique: وهي أشعار الجازية « المخبلة في شعورها » التي كان ابن خلدون أول من جمعها وذيّل بها مقدمته العظيمة. وهي المقابل الملحمي لأساطير الفيكينغ الرائعة (ولنا بطبائعهم بعض الصلة إذ جاءنا الواندال واستقروا بسواحلنا التونسية حينا من الزمن)، وهي كذلك المقابل الكفاحي من أجل البقاء لـ »أنشودة رولان » التي استولي عليها التوسعيّون الإفرنج باسم الصليب كما كانوا يزعمون، وهي المقابل النّسْويّ العفيف لقصص ألف ليلة وليلة الشبقية / إيروتيك. وانتشرت « السردية » الهلالية في كامل منطقة شمال إفريقيا قرية قرية حتى بلاد مالي، وفي جنوب الصحراء بأكمله حتى النيجر والسودان، وفي الشرق الأوسط بلا استثناء في كل حواضره الزاهرة وفي مقاهيه ونواديه المتمدنة، وعلى طول نهر النيل بأقباطه ومسلميه، بل وتوغلت في أوروبا ببلاد البلقان (ميشلين غالَيَهْ). ما السرّ في ذلك؟ السّر هو طابعها الإنسي العميق (هيمانيست): إنسي لأنها بالتحديد سردية غير دينية! والمغايرة لا تعني النّقض بتاتا في هذا السياق بالذات. ولأنها ذات نزعة جماعاتية ومساواتية ومشاعية (قريبة من الديموقراطية « الطبيعية » أو الأصلية التي كان يتشوّف إليها ماركس لاستعادتها واسقاط مثلها الأخلاقية على مشروعه المستقبلي، وكان أنجلس ينوي أن يكتب تاريخها المسيحي الأول فلم يسعفه الوقت)، ولأن محصلتها الأخلاقية، وهو الأهم، ليس فيها لا غالب ولا مغلوب، وهذا أمر نادر في تاريخ الأقوام والأمم المتشاحنة، فإنها أنشودة Hymne من نوع آخر ولأجل السلام والعيش المشترك. ولاستحثاث التفكير لدى من يهوون المقارنات السهلة ويستعينون بها دائما للفهم ولتقييم الذات، أقول إن انتشار الطابع الريفي والقروي « البربري العربي » في بلاد المغرب يشبه من بعض الجوانب آثار « البرابرة » في أوروبا (الهانس، الأستروغوط، الفيزيغوط، الفيكينغ، الواندال، الخ…) الذين أسقطوا الامبراطورية الرومانية وحضارتها المنيعة وألغوا نظام الرّق وحرروا العبيد مستعينين بمبادئ المسيحية التي اعتنقوها ونشروها، وسنّوا لأوروبا منذ ذلك الزمن الغابر معنى « العقد الأصلي » الذي ستعود إليه الثورات الأوروبية الحديثة وتستلهم منه مُثُلها الدستورية العامة، بدءا بمفهوم « الجماعة » أو « الكمّونة » في فرنسا (البلدية وفقا لتسميتها الحديثة التي تعود بدورها إلى روما القديمة)، بل ومجالس « الطبقات العامة » التي ستفتح عودتُها إلى الاجتماع عهدَ الثورة الفرنسية في حين أنها تعود إلى عهد فيليب لوبيل في القرون الوسطى ! أما من جهتها، فكان لقبائل العرب الدور الفصل في صدّ ما يُسمّي بالهجمات « الصّليبية » عن تونس، وخصوصا عن مدينتيْ صفاقس والمهدية (وهي في الحقيقة حرب توسعية واقتصادية مغلفة بشعار التكفّل برعاية قبر السيد المسيح في القدس)، بل ونجحت قبائل « الخيام السود »  أيضا في صدّ التطاول « الصليبي » على بلاد الأندلس المتزعزعة، وحصل ذلك قرابة قرون ثلاثة قبل أن يسقطها القشتاليون نهائيا بتواطئ سادة الأندلس من العرب الموريسكيين الراكنين إلى الدعة والإطمئنان حتى صاروا من « المغلوبين » المولعين دائما، في رأي ابن خلدون، « بالاقتداء بالغالب في شعاره وزيّه و نحلته و سائر أحواله وعوائده » واستخدموا ولعهم بالغالب ليضربوا بعضهم بعضا! (المقدمة). ولا يزال هذا حال بعض نخبنا السائدة والمتسلّطة حتى هذا اليوم. وبالمقابل، ومن حسن الحظ، لا عجب في أن نرى ابن طفيل، وهو الفيلسوف الكبير مُلْهِم ابن رشد، بل وأستاذه، ينظّم قصيدة ليقرأها الحاكم الموحدي، أبو يعقوب، مخاطبا بها الهلاليين، وقد انتصروا لقضيته في مواجهة « الصليبيين » في الأندلس، وهذه أبياتها الأولى: « ألا فابعثوها همّةً عربيةً تخف بأطراف القنا والقواضب / أفرسان قيس من هلال بن عامر وما جمعت من طاعن ومضارب/ لكم قبة للمجد فشُدّوا عمادها… »، الخ…

ولكَم تأخذ الحماسة بعض النخب أحيانا لتردد بأن بلدنا  » ملتقى الحضارات » لتنفتح فقط على اتجاه واحد في ذلك الملتقى! أو تسوق، مثما قرأت في مقال أحدهم هذه الأيام، جميع القوميات التي احتلت بلادنا  منذ الفينيقيين ولا تتغافل إلا على ذكر المحتّل الأخير!

لذا يحسن بنا أن نفتح أولا  كتب التاريخ بدل التعصب الإيديولوجي والعرقي، وبدل التلاعب الصّبياني — عن غفلة أو لمآرب مشبوهة — بوقائع التاريخ والأنتروبولوجيا، وهي وقائع عنيدة ، فـ »دهاء العقل » في التاريخ أدهى من دهاء انفعالات الناس ومخيلاتهم، كما كان يحلو للفيلسوف الألماني، هيغل، أن يقول!

[لمزيد الطلاع على هذا الموضوع، راجع دراسة أخذت مني سنوات طويلة: «عود على بدء: « دخول العرب المغربَ » بين كوارثية الكتابة التاريخية وإنسيّة السرد المخيالي»، الفصل 31 من مجّلد التأْريخ العربي وتاريخ العرب، كيف كُتِب وكيف يُكتَب؟ الإجابات الممكنة، بيروت، 2017]

 


فيديو لحاتم القرمازي الشّاب المسجون لأنّه إخترع صاروخ "تونس حرّة"
الرّقاب/ بالفديو: الأمن يهشّم دكّان مواطن
بالفيديو: راوية علّاقي تروي تفاصيل إعتداء القيّم العام على والدتها
وقفة احتجاجية تطالب بالكشف عن الأطراف المتورطة في قضية اغتيال الشهيد شكري بلعيد
سندس قربوج: لهذه الأسباب يصبح أبناؤنا إرهابيّين
بالفيديو: ومضة تحسيسيّة رائعة
قدماء مناضلي الاتحاد العام لطلبة تونس يهددون بطلب اللجوء السياسي
حمّه الهمّامي يروي لأوّل مرّة ذكريات 14 جانفي 2011 في دهاليز الدّاخليّة (الجزء الثالث)
حمّه الهمّامي يروي لأوّل مرّة ذكريات 14 جانفي 2011 في دهاليز الدّاخليّة (جزء ثاني)

المطالبة بإقالة والية نابل

قناة "الحوار التونسي " لن تتقدم بأية شكاية...

الهايكا تدين الاعتداء على الصحافيين كما...

قضية الحوار التونسي والقاضي حمادي الرحماني...

العباسي: تحسّن الدينار ليس ظرفيا

الترفيع في تعريفة الكهرباء والغاز

أسعار النفط تقفز أكثر من 5 بالمائة

عدم الترفيع في كلفة القروض السكنية...

ناسا تلتقط صورة مثيرة لانهيار جليدي على سطح...

جمعية علوم الفلك تردّ على خرافة " اقتراب يوم...

كويكب "يحتمل أن يكون خطيرًا" يقترب من الأرض

اليوم الثلاثاء كسوف كلي للشمس

كفى الناس "الفورماتاج" الميديائي واللعب...

اكتشاف تمثاليْن من الرخام الأبيض في منطقة...

جمعية الدراسات الأدبية والحضارية بمدنين :...

هل يحتفل الإنسان بالموت كما يحتفل بالحياة...