Quantcast

ما لا يعلمه الكثيرون حول درس الأستاذ الفرنسي ضحية العمل الإرهابي ! بقلم عبدالسلام الككلي وعلي الجوابي

 

يوم الجمعة 16 اكتوبر 2020  ارتكب ارهابي جريمة مريعة أمام مؤسسة تعليم في مدينة « كونفلان  » التي تبعد قرابة 20 كلم عن العاصمة باريس وتمثّلت في اعتداء روسيّ من أصل شيشانيّ  عمره 18 عاما  على مواطن فرنسي مدرّس تاريخ وجغرافية بسكّين و قطع له رأسه لأنّ المدرّس الضّحية كان في إحدى الدروس أظهر للتلاميذ كاريكاتيرا للنبي محمد نشرته جريدة  » شارلي إبدو » المتعوّدة على نشر هذا الصنف من الكاريكاتير

لقد تتالت و تعدّدت ردود الفعل المستنكرة و الغاضبة من المسئولين السياسيين الفرنسيين مثل رئيس الجمهورية و رئيس الوزراء و وزير الداخلية و وزير التربية ومن الأحزاب الفرنسية الكبرى ومن سائر مكوّنات المجتمع المدني الفرنسي لاسيّما نقابات التعليم و تقرّر تنظيم مسيرات في كبرى المدن الفرنسية  و تكريم الضّحية المدرّس القتيل وطنيا ودعت جمعية رؤساء بديات فرنسا  منظوريها الى الوقوف دقيقة صمت ترحّما عليه

وكان لهذه الجريمة الإرهابية صدى دولي  ففي تونس عبّر كلّ من هشام المشيشي رئيس الحكومة و عثمان الجرندي وزير الشؤون الخارجية   لنظيريهما الفرنسيين  عن  تضامن تونس مع فرنسا جراء هذه الجريمة النكراء و أكّدا له  « موقف تونس الرافض للعنف ولكل أشكال التطرف والإرهاب الذي لا يمت بصلة للإسلام ولقيمه السمحاء »

وندد رئيس الجمهورية بالجريمة الإرهابية عندما استقبل يوم 22 أكتوبر 2020 وزير خارجية فرنسا وذكرت صفحة رئاسة الجمهورية انّ رئيس الدولة دعا الى اعتماد مقاربة وصفتها بالجديدة ترتكز اساسا على معالجة الأسباب العميقة لظاهرة الارهاب في كافة انحاء العالم و ذكر ان تونس هي أيضا تعاني من مظاهر التّطرّف

 

ليس لهذه الجريمة ما يبرّرها إطلاقا و التنديد بها في نظرنا مسألة محسومة غير قابلة للنقاش و يجب محاكمة المشاركين فيها إذا أثبت البحث وجود مشاركين و يجب محاكمة من ثبت أنّه أشاد بها ومجّدها

غير أن ذلك لم يمنع الفرنسيين أنفسهم والجهات البيداغوجية المختصة  أيضا ولو بشكل خافت من  التّساؤل عن  امكانية وجود  خطأ  بيداغوجي ما  أسفر عن جريمة كان ضحيتها مدرس تاريخ  وهي جريمة بشعة  يعجز القلم عن وصف شناعتها

السؤال الذي قليلا ما يقال  هو حسن استعمال وتوظيف الكاريكاتور حول ذات مقدّسة لدى البعض حاملا بيداغوجيا للحديث عن حرية التعبير في قسم تلامذته  أطفال متعدّدو الأعراق و الدّيانات و المذاهب و تجمع بينهم مبدئيا جمهورية لائكية؟

للتوضيح الحامل البيداغوجي هو أداة مادية يستعملها المعلّم أو الأستاذ أو المحاضر تساعده في شرح موضوع الدرس أو  المحاضرة وفي تنشيطه وبما أنّه يساعد فهو أداة تكميلية وليست أساسية يستعان بها اذا توفّرت. فلا يتوقّف الدرس او المحاضرة على استعمالها فيمكن استعمال لوحة زيتية حاملا بيداغوجيا لدرس في الرسم أواستعمال شريط وثائقي حول حركة التحرير الوطني في درس يخصّ هذه الحركة  أو شريط وثائقي حول الاختراعات العلمية في درس يتعلّق بالتّقدّم العلمي و يمكن أيضا استعمال منتج فلاحي في درس يتعلّق بالفلاحة و إنّ في الأمثلة المذكورة أدوات متّفق على مضمونها لذا مبدئيا لا تثير إشكالا بين المدرّس من جهة وبين التلاميذ و أوليائهم من جهة ثانية ويمكنه أيضا أن يستغني عن كل ذلك بتقديم درس نظري يحتوي على مجموعة من الآراء التي يناقشها التلاميذ

طبعا لا حق لأحد  في أن  يتدخل في اختيارات الأستاذ وفي تنظيمه لدرسه واستجابته للأهداف  البيداغوجة من الدرس  ولكن قطعا  ليس حرا بلا شك في الانحياز عن أهداف المدرسة العمومية العلمانية المحايدة وفي استغلال الدرس لنشر مواقفه الشخصية وهو امر يسقط فيه كثير من المدرسين في  كل البلدان  وخاصة في المواد ذات الطابع الانساني

هنا يبرز إشكال كبير ومعقّد لقد اختار المدرّس أداة غير متّفق على مضمونها . قد يكون هذا  الاختيار  في ذاته أمرا جيدا إذ انه يغذي النقاش والجدل في القسم   فالمدرّس الفرنسي ضحية الجريمة الارهابية  اعتبر الكاريكاتير أداة جيّدة في درس يتعلّق بحريّة التعبير انطلاقا ممّا يعتبره حقّ كل منا  في السخرية من الغير ومن مقدّساته و حقّه في التعبير عن تلك السّخرية في شكل رسم ساخر و حقّه في الاحتفاظ بالرسم الساخر و حقّه في الاستظهار به متى يشاء ولمن يشاء وحقّ الأستاذ  في استعماله حاملا بيداغوجيا في قسم متعدّد الأعراق و الديانات يضمّ أطفلا لا يرون في الكاريكاتير سوى إساءة مقصودة للنبي محمد

غير ان الأمر ليس بهذه البساطة المتوهمة  لقد أوردت صحيفة  » لوموند  » الرقمية أن بعض أولياء التلاميذ اشتكوا المدرّس الى ناظرة المعهد و قدّموا ضدّه شكوى عدلية ونسبوا  له أنّه طلب من التلامذة المسلمين مغادرة القاعة و أنّه استظهر بصورة شخص عار نسبها للنبي محمد و أن القضية وصلت الى القضاء  وباشر البحث فيها  وكيل الجمهورية الذي  استمع لبعض أولياء التلامذة وبدوره قدّم المدرّس دعوى في الثّلب وقد تعهّدت بالموضوع الاستعلامات الفرنسية  التابعة للإدارة المركزية للأمن العمومي

بل أكثر من ذلك نشرت جريدة  » لوموند  » الرقمية يوم 18 أكتوبر 2020 مقالا عنوانه في صيغة سؤال « جريمة كوفلان : كيف اصبح حادث بسيط في قسم  « خارج السيطرة  » ؟ : وقد جاء في هذا المقال هذه الفقرة  التي سنتوقف عندها

« ان الدرس حول حرية التعبير  الذي اثار غضب هذا الولي كما  تحكي مارتيل صبرينا  من قدماء تلامذة الأستاذ  و هي الان في الصف الثالث وتستحضر أستاذا يحب عرض   الشرائح المصورة   Diaporamas  » كان السيد باتي يقدم هذا الدرس كل سنة الى تلامذته في الصف الرابع   وكان كل سنة   يستعمل  نفس الصورة  لتدعيم اقواله  وهي كاريكاتور للرسول محمد  » ولم يكن الامر يثير مشكلا  الى حدود الاسبوع الماضي  »

Le cours sur la liberté d’expression qui a déclenché les foudres de ce père de famille, « Monsieur Paty le donne chaque année à ses élèves de 4e ». Et chaque année, raconte-t-elle, il utilise la même photo pour étayer son propos : une caricature du prophète Mahomet. « Et ça n’avait jamais posé de problème, jamais jusqu’à la semaine dernière », martèle Sabrina, 14 ans, une ancienne élève aujourd’hui en 3e qui évoque un professeur qui « aimait beaucoup les diaporamas ».

و قد تساءل الكاتب هل أساء المدرّس التمشّي البيداغوجي ؟

Un malentendu sur la démarche pédagogique du professeur ?

ومن خلال استعراض الوقائع التي جدّت في القسم و سبقت ارتكاب الجريمة الارهابية يستفاد من خلال شهادة  صبرينا  انّ المدرّس متعوّد إن لم يكن  مصرا  على استعمال كاريكاتير النّبي محمد  حاملا بيداغوجيا وحيدا وكأنه لا يوجد غيره  لمناقشة قضية حرية التعبير

فهل هناك غاية ما  في اختيار هذا الحامل دون غيره ؟

وكأن هذا الحامل هو الوحيد الذي  يجسد وحده  القضية أو على الأقل الحامل الاشكالي الوحيد  الذي  يثير جدلا مفيدا في القسم بين تلامذة متعددي الديانات ؟

ذكرت جريدة لوموند في مقال نشرته يوم 21 اكتوبر 2020 انّ المدرّس نفى أن يكون طلب من التلاميذ المسلمين مغادرة القسم و ذكر أنّه اقترح على من يعتقد من التلاميذ ان الصورة تصدمه أن يدير نظره بضع ثوان

« J’avais proposé à mes élèves de détourner le regard quelques secondes s’ils pensaient être choqués pour une raison ou pour une autre. A aucun moment je n’ai déclaré aux élèves : “Les musulmans, vous pouvez sortir car vous allez être choqués.” Et je n’ai pas demandé aux élèves quels étaient ceux qui étaient de confession musulmane. »

ان تقديم هذا المقترح للتلاميذ كل سنة  يعني أن الكثير منهم  يعلمون مسبقا بمضمون الحامل البيداغوجي الذي يستعمله المدرّس في الدرس  اما لأنه بلغهم خبره وهو لا يخفى في الظروف التي تعيشها في فرنسا   او أنهم ممن يعيدون القسم  وهو ما يفقد المقترح جدواه

ثمّ كيف لتلاميذ ان يستوعبوا الدرس ويشاركوا في النقاش اذا لم يشاهدوا الحامل البيداغوجيي ؟

اذا يتضح من شهادة الأستاذ انه  طلب من بعض التلامذة  ان يديروا وجوههم عند عرضه للشريحة المصورة  منطلقا للدرس اذا كان ذلك يستفز مشاعرهم  فما هي الجدوى اذن من استعماله في هذه الحالة ؟

أم هو مخصص لفئة دون غيرها؟

هل هو يستعمله لغاية خارجة عن درس حريّة التعبير؟

ان ما قام به المدّرس الضحية يطرح مشكلا جديا  حول  قيم الجمهورية التي تجمع و لا تفرق  وحول  قيم اللائكية التي يتحدث بها البعض  والتي لا يمكن أن تكون حاملة لأي عداء ديني  اذ يبقي الشأن الديني خارج المرفق العمومي

أليس من أبجديات التربية الصحيحة  أن  توضع  الأهداف بشكل صحيح وان  تكون الحوامل  متنوعة وشاملة للمجال المعرفي بالإعداد الجيد والمتجدد  لموضوع الدرس وذلك من خلال  اختيار استراتيجيات التعليم المناسبة للموضوع المبتكرة وليس المكررة والمعادة  وربما المغرضة وقبل ذلك كله مراعاة اشتراك جميع المتعلمين  في جميع الأنشطة المطروحة إما من خلال العمل بشكل فردي أو من خلال العمل ضمن مجموعات متكافئة ومتساوية.

في الأخير ان قتل الأستاذ جريمة بشعة و مدانة والرسول ليس في حاجة إلى ان  ندافع عنه بالصراخ والعويل وحرق صور ماكرون  ولكن رغم ذلك من حقنا أن نتساءل عن لائكية المدرسة الفرنسية بل من حقنا ان نتساءل إذا كان صموال باتي يمثل حقا وجه فرنسا ووجه لائكيتها المتسامحة ؟

وإنّ ما يدعّم تساؤلنا هذا  هو ما ذكرته مجلة « لوبوان » في عددها الصادر يوم 18 اكتوبر 2020 من  ان اعوان الاستعلامات الترابية  الفرنسية أشاروا يوم 12 أكتوبر 2020 في مذكّرة رسمية  الى حادثة القسم معتبرين اياها ذا صلة بمبادئ اللائكية  كما تذكر المجلة أنه    تقرّر يوم 9 اكتوبر 2020  أن يتوجّه اليه متفقّد من فريق  » اللائكية وقيم الجمهورية  »  ليذكّره  ب  » قواعد اللائكية والحياد  » فلماذا توجه اليه هذا الفريق .؟..وهل هناك اشياء سكت عنها الجميع في هذا الملف الصاخب الذي طغت عليه المشاحنات اكثر من التفكير الرصين ؟


فيديو لحاتم القرمازي الشّاب المسجون لأنّه إخترع صاروخ "تونس حرّة"
الرّقاب/ بالفديو: الأمن يهشّم دكّان مواطن
بالفيديو: راوية علّاقي تروي تفاصيل إعتداء القيّم العام على والدتها
وقفة احتجاجية تطالب بالكشف عن الأطراف المتورطة في قضية اغتيال الشهيد شكري بلعيد
سندس قربوج: لهذه الأسباب يصبح أبناؤنا إرهابيّين
بالفيديو: ومضة تحسيسيّة رائعة
قدماء مناضلي الاتحاد العام لطلبة تونس يهددون بطلب اللجوء السياسي
حمّه الهمّامي يروي لأوّل مرّة ذكريات 14 جانفي 2011 في دهاليز الدّاخليّة (الجزء الثالث)
حمّه الهمّامي يروي لأوّل مرّة ذكريات 14 جانفي 2011 في دهاليز الدّاخليّة (جزء ثاني)

النفيضة: مسيرة سلمية على خلفية وفاة الشابة...

باجة: تجمّع كبير أمام مقرّ الولاية تحت شعار...

قفصة: محتجّون يغلقون مؤسسات تربوية وإدارات...

الصحفيون التونسيون يشرعون اليوم في سلسلة...

زيت النضوح ...ذهب الشجرة المباركة وموروث صار...

الترفيع في أسعار الكراس بـ25 بالمائة

خلال النصف الأول من 2020: عجز ميزانية الدولة...

البنك المركزي التونسي يقرر الابقاء على...

حدوث خسوف شبه ظل جزئي للقمر الجمعة

أستاذ في علم الفيروسات: الكلاب والقطط تنقل...

علماء الفلك يؤكّدون أن المجال المغناطيسي...

ناسا: كويكب ضخم يتجه نحو الأرض يوم 29 أفريل...

استئناف عدد من الأنشطة الثقافية تدريجيا...

المخرجة سلمى بكار تعود إلى عالمها...

معبر راس الجدير: جلسة عمل للنظر في...

من الذاكرة : أخوة الهلال والصليب بقلم...