Quantcast

نتائج الانتخابات و مغالطات المنحدر الزّلِق ..( Slippery slope) بقلم خالد كرونة

 

إذا حاولنا تدبّر ماهية مصطلح « المنحدر الزّلق« ، ألفيناه يعني ضربا من المغالطات يقود إلى الانزلاق بالنتائج على نحو يسمح بتوظيفها دونما تسلسل وبلا منطق .. ومن المستطرف أنّ هذه المغالطات تُدعى أيضا « أنف الجمل » (camel’s nose) .. أليس يُروى أنّ أحد البدو حدّث نفسه فقال :  « إذا تركتُ الجملَ يدُسّ أنفَه في خيمتي في هذه الليلة الباردة، فإنه يُوشك بعد ذلك أن يدسّ رأسَه كلّه، ثم لا يلبث أن يدسَّ رقبتَه، وسرعان ما أجِدُ الجملَ برمَّته وقد اقتحم عليَّ الخيمة  » !  (1)

وما ينبغي التنويه إليه، أنّه لا يمكن استخدام هذه المغالطة إلاّ باستغلال العواطف على نحو يُعشي النظر العقليّ و التبصّر باستخدام تقنية يتيمة هي الاستفادة من مشاعر الخوف وتأجيج الخشية من حصول مكاره في المستقبل .

ولكن، هل « ركبنا » زلاّقة المنحدر منذ الإعلان عن النتائج التقريبية لتشريعيّة 2019؟ ومن يدفعنا إلى أنف الجمل ؟ أليس يقول المناطقة إنّ المغالطة تنشأ من اعتبار حدث « تافه » بوابة لبلوغ كارثة أي أنّ الحوار قد يبدأ بفرضيّة مُسلّم بها واعتماد أسس مُتوهَّمة لينقاد المتلقّي إلى استنتاجات خاطئة ليست أكثر من محض خيال . والحقّ أنّ إعلامنا لم يبرع في شيء براعته في حملنا على ركوب « زلاقة المنحدر » لنحيا دوما جزعين من « أنف الجمل » الذي قد يقتحم الخيمة ..

1 ــ أولى المغالطات ــ وهي أضخم من أنف الجمل ومن البعير نفسه ـــ أنّ حزب النهضة من « معسكر الثورة »، وهو ما تفتّق عليه خيال السيد محمد بن سالم « الخلاق » في بعض حواراته على الأثير،وكرّره بعدئذ على نحو موارب رئيس الحزب راشد الغنوشي قبل أن يصير نشيد الجوقة وبعض التابعين..

إنّها « الأساس المُتوهَّم »(قصدا) الذي سيُعتمَد لحمْل المتلقّي على الإذعان (كما يقول المناطقة و أهل الحجاج) إلى فكرة أنّ ردّه أو مجرّد السعي إلى صدّه وإدحاضه،  يقود حتما إلى « الكارثة » التي ينبغي أن « نخشاها » وهي كارثة « الإقصاء » و »التخوين » و »هدر فرصة تاريخية » على الشعب لبلوغ « أهداف الثورة » .

بيد أنّ هذا الزعم لا يصمد البتّة أمام « خيمة العقل » ، فلا الجماعة أوقدت نار الانتفاضة ولا هي انخرطت فيها أيّام العناد الديسمبريّ والأهمّ، أنّها بعدما عُبّدت لها الطريق لاعتلاء « ناقتها » تبعا للظروف الإقليمية ولاتجاه الرياح الدوليّة ساعتها ، أدارت لها الظهر بعد أن صدعت الرؤوس قبيل انتخابات أكتوبر 2011 بالخطب الرنانة وبعد أن أغرقتنا في وحل مئات الوعود بالرخاء القادم، وبالفردوس الذي ستصطنعه بفضل « علاقاتها » وما ستجلبه من استثمارات ستحولنا سنغافورة جديدة أو كوريا المجيدة . وكان أوّل ما فعلت أن تصالحت مع أساطين العهد البائد فيما عُرف ساعتها بسياسة « المرافقة » فكان أن صار زعيم اتحاد الأعراف من الأصفياء ، وصار خليلَهم وزير  بن عليّ ذي الغرة البيضاء ،وامتنعوا في بداية عهدهم « السعيد » أيام الخليفة الجديد عن تفكيك منظومة بن عليّ،رغم الدعم الدوليّ و الديبلوماسي و المالي غير المسبوق لحكومة ذاك المنكوب.. ولم تتفطن النهضة إلى « التحصين » إلا بعد أن تحصنوا بها ضدّها ، والكلّ يعرف مآل مشروع قانون تحصين الثورة . بل إنهم في سياق « خدمة الثورة » عدّلوا مسوّدة مشروع الدستور فيما يتصل بالسنّ القصوى لترشح رئيس الجمهورية ليكون على مقاس الرئيس الراحل « الثوري » جدا مثلهم تماما ! وبعد 2014 اكتملت ثوريتهم حين دخلوا « نادي التوافق » أي نادي التفريط في مطالب الانتفاضة . فحكومات التوافق في غاية الانسجام، وكتلة البرلمان لا تصوت خلافا لكتلة سلالة التجمع، وكل القوانين الجائرة رفعوا أيديهم الكريمة لتمريرها، وابتلعوا ألسنتهم وهم يمنحون الثقة لوزير كان بالأمس القائم بأعمال تونس في تل أبيب، ثم باركوا ترشيح وزير السياحة الحالي عالي الثقافة وعالي الارتباط بذات الدوائر،وهو أمر يعلمه القاصي والداني في أوساط المال و السياحة . ولأنهم في « معسكر الثورة » تقاسموا مع أعداء الأمس رجال الأعمال ف »حلبوهم » وتلاعبوا بالقضاء وما تزال الآثار شاهدة حتّى اليوم ، فضلا عن الانتصار للمحور السعودي في تدمير اليمن والبركة في جائزة « المسلم الديمقراطي » التي حازها ذاك الأهوج، والبركة أيضا في أبواب مراكز الدراسات الأمريكية المشرعة وفي حرارة العناق مع السيناتور …

2 ــ أمّا المغالطة الثانية فهي زعمُ الإخلاص لقضايا الشعب ، فالجماعة تذكرت فجأة بعد ميزانيات القهر التي صادقت عليها وبعد ما ارتُكب في عهود حكمهم مع شركائهم من جرائم في حق المشافي والأدوية و الولدان أيام نكتة السائق المغوار، وفي حقّ التعليم بمراحله الثلاث، وفي حق المتقاعدين الذين باتوا كالشحاذين، وفي حقّ قطاع النقل الذي أضحى باعثا على الرثاء وكذا سائر القطاعات الحيوية ، تذكرت أزمة البطالة و قضايا الطاقة دون أن تكون خلال سنوات خلت التفتت إلى سكان الريف وسائر المهمشين على أطراف المدن وإلى معاناة الموظفين والأجراء جراء تفاقم التداين وانهيار الدينار واستمرار خنق مبادرات الاستثمار الوطنية بالتضييق على مدراء الشركات الصغيرة وأرباب المؤسسات المتوسطة لإرضاء التماسيح الكبيرة و القطط السمان و سادة الأعمال من وراء البحار .

3 ـــ المغالطة الثالثة التي تجرف مباشرة نحو الانزلاق هي الادعاء بأنها كانت مكرهة على « خيانة الثورة » وعلى « تجرع السّم » ، وبناء على ذلك تطالب اليوم الأحزابَ التي لم تتلوث مثلها بخزي التوافق مع الحرس القديم أن تكون معها في ائتلاف حكومي ..غير أنّه من السذاجة استبعاد « توافق » جديد مع حزب « السجين » لأنّ مصالح قاعدتها الاجتماعيّة متشابكة تماما مع مصالح العصابات المتربحة والمافيا التي تنهش البلد. إنّ هذه « العروض » لن تتجاوز على الأرجح بالونات إعلامية في انتظار نتائج الرئاسيّة التي ستشكّل مادة « المساومات » و « المحاصصة » التي لم تبرع النهضة في سواها خلال السنوات المنصرمة. إن هذه المناورات تجسّد على نحو جليّ فكرة  الانزلاق نحو المنحدر ، فإمّا أن تنقذوني من لوثة توافق قديم دمّر البلد، (بتحميل مسؤولية الفشل فقط لشركاء الأمس) وإمّا أن أدمّركم مع مافيا البلد.

4 ــ رابع المغالطات ،الاستمرار في الإيهام بأنّ الحركة قد حقّقت نصرا مؤزّرا على منافسيها، إنّ هذه الموضوعة تستند إلى خطاب مداور يتجاهل من جهة الأرقام التي تشير بجلاء إلى استمرار تراجع عدد الناخبين الذين يثقون بالنهضة ( تراجع عدد الأصوات في تشريعية 2019 بحوالي مائة ألف صوت قياسا إلى بلديات 2018 )، ويحاول من جهة أخرى التغطية على خيبة الرئاسيّة التي تمثل أوّل خسارات النهضة في موعد انتخابي منذ 2011 . وليس غريبا ــــ إذا لم تحالف حزب السجين ـــ أن تكون الصفعة الثانية القادمة فشل « الزعيم » (رئيس الحركة) في بلوغ سدّة رئاسة البرلمان ، ولكنّ الخسران الأكبر هو الاستمرار في تلويث الفضاء السياسي بمنطق المحاصصات و « توزيع » الغنائم و سياسة « الترضيات » ممّا يعزّز نفور الشبّان من المشاركة السياسيّة كما تؤكده الأرقام المصرّح بها .

أمّا بقيّة المصفوعين والصرعى في تشريعيّات 2019 ، وبخاصّة أحزاب الجبهة الشعبيّة ، وجلّ أحزاب الهويّة الدستوريّة ( النداء/ تحيا/ بني وطني/ أمل تونس/ المشروع…) فنفرد لهم مقال الأسبوع القادم الذي لا  يناسبه « أنف الجمل » ،بل تلائمه حدبته التي لا يَبْصُرُ بها .

 

       خالد كرونة  ـــ كاتب من تونس

 

1 ـ  راجع : كتاب د.عادل مصطفى ( باحث مصري في الفلسفة حائز على جائزة أندري لالاند)  :  « المغالطات المنطقية: فصول في المنطق غير الصوري                           


فيديو لحاتم القرمازي الشّاب المسجون لأنّه إخترع صاروخ "تونس حرّة"
الرّقاب/ بالفديو: الأمن يهشّم دكّان مواطن
بالفيديو: راوية علّاقي تروي تفاصيل إعتداء القيّم العام على والدتها
وقفة احتجاجية تطالب بالكشف عن الأطراف المتورطة في قضية اغتيال الشهيد شكري بلعيد
سندس قربوج: لهذه الأسباب يصبح أبناؤنا إرهابيّين
بالفيديو: ومضة تحسيسيّة رائعة
قدماء مناضلي الاتحاد العام لطلبة تونس يهددون بطلب اللجوء السياسي
حمّه الهمّامي يروي لأوّل مرّة ذكريات 14 جانفي 2011 في دهاليز الدّاخليّة (الجزء الثالث)
حمّه الهمّامي يروي لأوّل مرّة ذكريات 14 جانفي 2011 في دهاليز الدّاخليّة (جزء ثاني)

المطالبة بإقالة والية نابل

قناة "الحوار التونسي " لن تتقدم بأية شكاية...

الهايكا تدين الاعتداء على الصحافيين كما...

قضية الحوار التونسي والقاضي حمادي الرحماني...

العباسي: تحسّن الدينار ليس ظرفيا

الترفيع في تعريفة الكهرباء والغاز

أسعار النفط تقفز أكثر من 5 بالمائة

عدم الترفيع في كلفة القروض السكنية...

ناسا تلتقط صورة مثيرة لانهيار جليدي على سطح...

جمعية علوم الفلك تردّ على خرافة " اقتراب يوم...

كويكب "يحتمل أن يكون خطيرًا" يقترب من الأرض

اليوم الثلاثاء كسوف كلي للشمس

كفى الناس "الفورماتاج" الميديائي واللعب...

اكتشاف تمثاليْن من الرخام الأبيض في منطقة...

جمعية الدراسات الأدبية والحضارية بمدنين :...

هل يحتفل الإنسان بالموت كما يحتفل بالحياة...