Quantcast

آدم فتحي ، الشاعر الذي عشق إميل سيوران بقلم خالد كرونة

 

حين أضافني صديقي الهادي السّماعلي لأشهدَ مأدبة أخرى ممّا يُقيم في مجلّة « شعر »، ودعاني أن أشترك فيها بما تيسّر من فاكهة، هامسا أنّ العدد يحتفي بأحد أعلام تونس: الشاعر آدم فتحي،خمّنتُ أنّ مدادَ من استكتبه سينصرف إلى تقصّي مجمل تجارب الرجل الشعريّة و لعلّه يقتحم بعض مغاليق فرادة نشأت عن حالته « الآدميّة » و مسيرة حياته « المفتوحة ».. وكرهتُ أن أكتبَ تقريضا بليدا لما سَكَب من نور الأحداق في حديقة الشعر حتّى غدا مَن هُو في عيون أولئك الذين ما زال الشّعر يفتنهم و يتسلّل إلى خبيئة وجدانهم في « عالم  لا شعر فيه » كما رآه الفاتح « السيّاب »  ..

بيد أنّ سؤالا دهمني .. هل تاه « آدم » عن ذرى الشّعر فانصرف إلى « سيوران » صاحب « ذرى اليأس »؟   ولمَ أغواه « إيميل » فمال إليه؟ وهل كان « آدم » يترجم أعمال « سيوران » أم تراه « يفتح » بوّابات جديدة أمام الشعر؟ ومن قال إنّ الترجمة خلوٌ من الشّعر؟

ترحلُ إلى عالم « سيوران » علّك تقع على بعض أسرار عشق آدم فتحي له، فيهالكَ أنّ سيرة الرّجل أقربُ إلى الأساطير.. زعموا أنّه عاشق المقابر، وقالوا إنّه تسلّى طفلا بلعب كرة قدم بالجماجم .. وأيّا كان نصيب الصحّة فيما رُوي ، فالأكيد أنّنا إزاء شخصيّة فريدة طوّعت الشعر ليفكّر… ولعلّها ألانتْ خطاب الفلسفة المتعجرف ليَعذُبَ شعرا ..

وحالَ وقوعِك على هذا اليقين في سيرة « سيوران »، ينقطع عنك ما كان يفجؤُك من صُحبة استمرّت عقودا ثلاثة بين أعماله و بين « آدم » التونسيّ . ولعلّ درْكَ فرادة الرومانيّ الآسرة، سرّ حرص « فتحي التونسيّ » على استقدام أعماله إلى العربيّة دون أن نذهلَ عن نوافذ أخرى أشرعها الرّجلُ أمام القارئ العربيّ حين ترجم لــ « شارل بودلير » و بعض ما كتب  » جيلبار سينويه » .

بيد أنّ صلته بــــــ »سيوران » فيما نُقدّر تفيضُ عن رغبة في إغناء المكتبة العربيّة بأعماله، إلى ضرب من الشعور بالتماهي في مواضع كثيرة . فقد ترجم آدم  » المياه كلّها بلون الغرق » ، و « تاريخ و يوتوبيا »  ثمّ « مثالب الولادة » ليستقدم بعدها « اعترافات و لعنات » و « تمارين في الإعجاب » ، ثمّ « رسالة في التحلّل ».

ولا مندوحة من التسليم بصعوبة تقصّي « أسرار » انشداد آدم إلى سيوران،ولكنّ فعل الترجمة في حال آدم فتحي يجاوز بالتأكيد طوق « التقني » الذي ألفناه في مؤسسات الترجمة ليعبّر عن صلات خفيّة بين النّصّ وصاحبه من جهة، والأهمّ بين متلقي النصّ / المترجم و المُؤلَّف ذاته .

و المسألة بالغة التعقيد، إلى حدّ أنّ آدم نفسه قد يُعييه تقديم إجابة دقيقة عن سرّ هذا الافتتان، لأننا نُقدّر أنّ فتنة النّصّ ، أيّ نصّ، لا تكتملُ من دون فطنة تسكنُ وجدان المتلقّي و تملك عليه بعض ما يعتمل فيه على نحو يعسرُ تحديده في الغالب،ذلك أنّه لا يتصلُ فقط بثقافة المتلقّي / المترجم فحسب، بل لعلّه يتعلّق خاصّة بما يمكن أن ندعُوَه « منعطفات » شهدها « كيانه » الثقافي عبر مسار تشكّله المتعرّج .

وقد تقودنا المجازفة إلى افتراض أنّ « بؤرة » افتتان آدم فتحي بأعمال « سيوران » طابع كتابته الاقتحاميّ الذي لا تعوزه الجرأة حدّ الاستفزاز .. فـديدنُ « سيوران » أن يحملَ القارئ على الوقوف عاريا أمام مرآة « دسّها » بمكر الفنّان في نصوصه،وهو وجه الالتقاء الأبرز مع الشعر كما نرجّحُ أنّ آدم فتحي يراه. إنّ فكرة  الاقتحام والجوس في مناطق « العطب » التي نداريها جوهر « الفتح » الشعريّ،ولأنّ أعمال سيوران تطفحُ جراءة ، لاقت هوى في نفس « المترجم » لأنّه رأى فيها « شعرا » قد لا نعثرُ عليه فيما ألفنا اعتباره من الشعر.

وربّما قادتنا المجازفة أيضا إلى تبيّن سبب آخر نرُدّ إليه عشق آدم فتحي أعمال « سيوران »، فشاعرنا/ المترجم يستبطن ـــ شأن كلّ مثقف عربيّ ـــــ سؤال العلاقة مع الآخر،وبخاصّة « الغرب » الذي بنى لنفسه عبر محامله الثقافيّة المختلفة صورة التفوّق التي أعمل فيها « سيوران » معول الهدم،بل لعلّه عرّى انحطاطه وخاصّة في « رسالة في التحلّل » .

ولكنّ مأثرة « سيوران » أنّه يفعل ذلك على نحو مخاتل،مداور، تماما كما يناور الشعراء بالكلمِ.. فهو الرجل الذي يحرص على إظهار « مفارقته »، يشتم الحياة ولا ينقاد إلى الانتحار .. فهو القائل : « لقد أفلحتُ في البقاء حيًا كما ترون، على الرغم من ليال وليالٍ عشتها أسأل إن كنت سأقتل نفسي عند الفجر »  . وهو نفسه الذي كتب على باب شقّته  » على الدّاخل إلى هذا المكان، أن يتخلّى عن كلّ رجاء » .. ومن نافل القول إنّ هذه « السوداوية » تقابلها على النقيض أكبر علامات الرجاء،نعني فعل الكتابة الذي لا ينقطع وهو أعظم ما يطلبه « مريدوه » إذا راموا ولوج « داره »، دارِ الشعر و بيتِ الحكمة..

وسببٌ آخر ـــــ فيما نقدّرُ ــــ يفسّرُ  « الجاذبيّة » التي ظلّت تشدّ آدم إلى « سيوران »، هو رغبة ـــــ نفترضُ أنّها تعتملُ في قرارِ المترجم/ الشاعرـــ في درْكِ ما يخلّفه الاكتشاف من لذّة.    وهل الشعر غير قبس يلمع لحظة الاكتشاف ؟  إنّ « آدمنا » لم يُعلَّم « الأسماءَ كلّها » ، ولكنّه حذق ركوب قارب الكشف الذي أبحر به في عالم « سيوران » الذي ظلّ مجهولا ــــ أو يكاد ــــــ لدى جلّ القرّاء العرب، ولعلّه أبحر من دون « أسيجة نظميّة » إلى محيط الشعر طلبا لأوساع لا يدركها إيقاعٌ غير إيقاع النشيد الإنسانيّ..

تركَ آدم فتحي الشّعرَ ، إلى الشّعر حين استقدم « سيوران » الذي جمع على نحو فريد أقدارا من التشاؤم إلى أنصبة من تفاؤل وضّاء، فهو الرجل الذي أوجعه صمت « فرويد » حيال فظائع النازيّة،فآل إلى الانتحار، ولكنّه بدا رجلا يجترح معنى جديدا لفكرة « النهاية » لأنّها ــــ وهو سبب كاف ــــــ في نظره بداية جديدة. ولعلّ هذا وحده يكفي لبيان بعض الوشائج التي تشدّ المترجم / الشاعر إلى الفيلسوف الكاتب .

لقد شاع أنّ « سيوران » فيلسوف التشاؤم، بيد أنّه لم يعدم مناطق أمل في مجمل كتاباته تخبر عنها فكرة الاستئناف بعد النهاية .. فكلّ بداية لها عنده نهاية، ولكنّ كلّ نهاية هي ابتداء على نحو جديد .. ومن هنا، جاز القول إنّ « سيوران » ما كان ليفتن « آدم فتحي » الذي يسكنه تفاؤل الشعراء، لو كان فعلا رجل العبث، ولكنّه المفكّر الذي يرى العالم ينتحرُ بما اجتمع فيه من تطاوس الجهلة ومن انهيار القيم، وتراجع الثقافة،وهو ما أعطبَ الأحلام وأجهضها فانبرى يفضح عالما يهلكُ و إنسانيّة تترنّحُ ويصوّرها تحت كابوس « التحلّل » في انتظار أن « تتحلّل » منه ساعة يقظتها، وهذا وحده كاف لإشاعة الأمل .. لا أخال آدم فتحي إلاّ طرِبا وهو يقرأ لــــ »سيوران » قوله : « كم هو محزن أن ترى أمما كبيرة تتسوّلُ قدرا إضافيّا من المستقبل » ..

وهل نملك أن  ننكر على آدم فتحي رهافة الحسّ وهو يرى حال أمّته و حضارته و لغته تنعطف نحو « نهايات » ستكون « سيورانيّا » ساعة « بدايات » لأنّ الضياء لا ينبلج إلاّ من العتمة ؟

ويكفي آدم الشاعر شرفا أنّه أدرك أنّ قضيّة الشعر الكبرى اليوم، هي ألاّ ينقلب ذريعة للتملُّص من قضايا الإنسان ..  أو الجزع خشيةَ دفْع ثمَنِ الانحياز إليه.

قصّة عشق « آدم » لــــ « إيميل » هي ببساطة قصّة عشق تشوّفِ أملِ نجاة وسط عاصفة تمزّق الأشرعة   وتحطّم القوارب الصغيرة .. أمّا سفينة آدم فتونسيّة من فلك « ابن يامن » أخلصت للعربيّة فأكرمتها بولائم « سيورانيّة » …

  خالد كرونة ـــــــ كاتبٌ من تونس

  نشر هذا المقال في مجلة « شعر » الفصليّة التونسيّة ضمن عددها التاسع ـــ ربيع 2021

 


فيديو لحاتم القرمازي الشّاب المسجون لأنّه إخترع صاروخ "تونس حرّة"
الرّقاب/ بالفديو: الأمن يهشّم دكّان مواطن
بالفيديو: راوية علّاقي تروي تفاصيل إعتداء القيّم العام على والدتها
وقفة احتجاجية تطالب بالكشف عن الأطراف المتورطة في قضية اغتيال الشهيد شكري بلعيد
سندس قربوج: لهذه الأسباب يصبح أبناؤنا إرهابيّين
بالفيديو: ومضة تحسيسيّة رائعة
قدماء مناضلي الاتحاد العام لطلبة تونس يهددون بطلب اللجوء السياسي
حمّه الهمّامي يروي لأوّل مرّة ذكريات 14 جانفي 2011 في دهاليز الدّاخليّة (الجزء الثالث)
حمّه الهمّامي يروي لأوّل مرّة ذكريات 14 جانفي 2011 في دهاليز الدّاخليّة (جزء ثاني)

قضية الكوكايين بميناء حلق الوادي: بطاقة...

نقابة الصحافيين : "اعتداء سافر على الصحفيين...

حادثة الدهس في قصر هلال: توجيه تهم القتل...

قصر هلال : وفاة شخص وإصابة 4 شبان جراء عملية...

تونس تواجه فجوة في الميزانية تقارب 1ر5 مليار...

تقلص عجز ميزان الطاقة الأولية لتونس بنسبة 12...

"من الصعب إتمام ميزانية الدولة لسنة 2021...

قريبا، افتتاح وحدة جديدة لتعليب المياه...

رجة أرضية في قفصة

رجة أرضية في المرناقية

خسوف كلّي للقمر الأربعاء المقبل

العلماء يعثرون على آثار لمواد "غير أرضية" في...

الدورة 32 لأيام قرطاج السينمائية : قائمة...

الهادي التيمومي وسفيان بن فرحات يتوّجان...

آدم فتحي ، الشاعر الذي عشق إميل سيوران بقلم...

الإعلان عن الفائزات بالجائزة الوطنية زبيدة...