Quantcast

النّوويّ الإيرانيّ والنوويّ الفلسطينيّ ! بقلم خالد كرونة

مضت ثمانية شهور على تصريح « ترامب » يوم 15 سبتمبر 2020 خلال احتفال أقيم بالبيت الأبيض بمناسبة توقيع « اتفاقيات ابراهام » لتطبيع العلاقات بين الصهاينة وبين الإمارات المتحدة و البحرين : « بعد عقود من الانقسام والصراع، نحتفل ببزوغ فجر شرق أوسط جديد. ستعمل هذه الاتفاقيات كأساس لسلام شامل في جميع أنحاء المنطقة  » .

لقد كان « ماكس بوت » محقّا تماما حين قال على أعمدة « الواشنطن بوست » اليوم (14 ماي) : « إنّ مفاخرة ترامب بذلك الاتفاق لا تبدو مثيرة للضحك مثلما هو الحال اليوم  » . (انظر مقاله بعنوان : اتفاقات أبراهام لم تجلب السلام إلى الشرق الأوسط)

و كان « آري شبيت » صحفي  هآرتس الصهيونيّة المشهور  نشر مقالا يوم 12 ماي الجاري بعنوان : « إسرائيل تلفظ أنفاسها الأخيرة » ، وممّا قال فيه : «  يبدو أنه لم يعد بالإمكان إعادة إصلاح الصهيونية وإنقاذ الديمقراطية وتقسيم الناس في هذه الدولة » .وأضاف :  » انتهى الأمر. يجب توديع الأصدقاء والانتقال إلى سان فرانسيسكو أو برلين أو باريس . من هناك، من بلاد القومية المتطرفة الألمانية الجديدة، أو بلاد القومية المتطرفة الأمريكيّة الجديدة، يجب النظر بهدوء ومشاهدة « دولة إسرائيل » وهي تلفظ أنفاسها الأخيرة « .

و رغم المبالغة الشديدة التي تطبع هذا الكلام، فإنّها تعبّر عمّا تستمرُّ بعض « نخبنا » في تجاهله أو التعامي عنه،تارة باسم « الواقعيّة السياسيّة » و تارة أخرى باسم « نهاية الأحلام الثوريّة » و طورا ثالثا بسبب هواجس من « مشروع حماس » المتصل بأصوله الإخوانيّة، وهو شعور مثقفي الصهاينة بدنوّ الأجل، وبأنّ مآل الكيان سيكون الاضمحلال عاجلا أو آجلا .. هذا ليس فقط حكم التاريخ، بل حكم الجغرافيا أيضا .

إنّ الواقعيّة السياسيّة مطلوبة فعلا، ولكنّ شرطها العلميّ هو القراءة الموضوعيّة لموازين القوى وللتبدّل الحاصل في تكتيكات المناورة السياسيّة، ولكنّ ذلك عديم الفائدة دون الاستضاءة بالمبدإ الذي ينير أيّ تحليل يريد أن يكون « واقعيّا » .

ينبغي الانتباه أوّلا إلى أبرز نتيجة « ميدانيّة » للانتفاضة الحاليّة،هي موضوعيّا (وواقعيّا أيضا) سقوط بند « توحيد القدس » (كما تسميه الدعاية الصهيونية) الوارد ضمن اتفاقيات أبراهام سيئة الذكر. إنّ ما جرى هو إفشال خطة العدوّ فيما يتصل بتهجير أكثر من 500 عائلة من القدس ضمن مشروع التهويد. وهذا بحدّ ذاته إنجاز كبيرٌ ما كان ليتحقّق لولا توفّر شروط كثيرة أهمّها :

1ــــ الاستفادة من ارتباك العدوّ، فقد فشل نتنياهو ـــــ الذي يواجه خطر محاكمة بتهمة الفساد ـــــ في الظفر بأغلبية برلمانية تسمح بتشكيل حكومة بعد أربعة انتخابات أجريت في أقلّ من عاميْن .

2ـــــ  انقسام « نخب العدوّ » التي يعتقد جزء كبير منها أن اقتحام المسجد الأقصى كان « غلطة كبرى » كما كتب أحد كبار محلليهم  « جدعون ليفي » يوم أمس،  وهو ما حذّر منه المجرم « ايمين عوام » رئيس المستوطنات .

3ـــــــ استفادة الانتفاضة من تباين الموقف الأمريكي مع سياسات نتنياهو . إنّ الاستمرار في القول إنّ الأمريكي يدعم الصهاينة بلا شروط محض سخف . يكفي أن نقرأ بين سطور الموقف الأمريكي الذي أعلنه البيت الأبيض منذ يومين لندرك هذا التباين فقد قال بالحرف: « القدس يجب أن تكون مكانا للتعايش » . أكيد أنّ « أمن الصهاينة » جزء أساسيّ من الاستراتيجية الأمريكية،ولكنّ ذلك لا يمنع الاختلاف السياسيّ لأنّ إفشال نتنياهو سيسمح بأن يكون ــــ فيما نقدر ــــ مدخلا لمفاوضات مقبلة .

4ــــ الاستفادة من رغبة الأمريكي المبطنة في إهانة نتنياهو رغم إدانتها العلنيّة الوقحة للمقاومة الفلسطينية فقد صرح نواب من الحزب الديموقراطي:  « نحن نشعر بالغضب من اعتداء إسرائيل على المسجد الأقصى » .. وزار وفد من قناصل الدول الأوربية في فلسطين المحتلة حيّ الشيخ جرّاح، وصرح ممثل الاتحاد الأوربي في « إسرائيل » :  » إن تهجير أهالي الشيخ جراح انتهاك للقانون الدولي » .

5 ــــــ إدراك قادة الانتفاضة أنّ العدوّ لا يحتمل كلفة العدوان الماليّة العالية . فقد أعلن « الكنيست » بعد يوميْن فقط من المواجهة العسكريّة عن فاتورة قيمتها 912 مليون دولار مصاريف نقل وبترول وصواريخ وخسائر في البنية التحتية .. علّق صحفيّ الصهيوني جدعون ليفي على الرقم قائلا :  » هذا كثير جدا فعلا في مسافة زمنية هي يومين فقط فميزانيتنا لن تسمح أبدا « .

6 ــــــ وصول « السلطة  » ورأسها « عبّاس » منتهى الإفلاس السياسي ودخول مرحلة عطالة مستدامة . فمسار « أوسلو » ستدفنه هذه الانتفاضة نهائيّا بعد أن ظلّ يترنّح زمنا طويلا . عبّاس ذو الـــــ85 سنة ، المستعدّ دوما للتعاون مع « إسرائيل » و خاصة في مجال « التنسيق الأمني » ( تقديم معلومات للعدو) سقطت عنه كلّ شرعيّة .. انتُخب لفترة « رئاسية » تدوم أربع سنوات فمكث في موضعه 16 عاما وأضاف إلى ذلك تأجيله للانتخابات التي لم تجْرِ منذ 2006 .

7 ـــــ التطوّر المهمّ الذي لحق الإمكانيّات العسكريّة لدى المقاومين، فقد ولّى زمن الصواريخ البدائيّة التي تمّ استخدامها سنة 2008 التي لم يكن مداها يتجاوز 7 إلى 8 كلم ، وباتت الترسانة متنوعة وضمن مدى يسمح بالوصول إلى أيّ هدف في كلّ أراضي فلسطين،أي ــــ بالعلم العسكري ــــ توسيع مسرح العمليات،وهو عنصر شديد الإرباك للعدوّ . وهنا لابدّ من استخلاص ضرورة لجم تلك الأصوات الانتهازية التي تهلّل للمقاومة من جهة، و تتجاهل الدور المحوريّ الذي لعبته سوريا و حليفتها إيران في رفع جاهزية المقاومة و إمدادها بعناصر القوة لا فقط على مستوى القوة النارية، بل من خلال تطوير قدرات تقنية و إقحام أساليب قتالية جديدة لا سيما الطيران المسيّر سواء بغاية التجسس وجمع المعلومات، أو توظيفه لشن عمليات في مناطق مختلفة بما في ذلك المجال البحريّ، خاصة أنّ هذه الطائرات قليلة الكلفة و بالغة التأثير .

8 ـــــــ إنّ أهمّ ما تحقّق ميدانيّا ــــ يا للمفارقة ــــ أنّ الصهاينة لم يعد بمقدورهم أبدا تنفيذ اقتحام برّي لقطاع غزّة بعد أن نقل السوريون إليه صواريخ « الكورنيت » المضادة للدروع التي أثبتت فعاليتها ضدّ دبابات « الميركافا » مفخرة التصنيع الحربي الصهيونيّ خلال عدوان 2006 على لبنان لأنّهم لن ينسوا أبدا ما جرى في بلدة « بيت جبيل » التي أضحت مقبرة لدباباتهم .

9 ـــ حسن التصرف في القدرة الصاروخية لدى المقاومة أدّى إلى تحقيق نتائج شديدة الأهمية على الصعيد الاستراتيجي . لقد باتت هذه الصواريخ التي لا تزيد كلفة الواحد منها عن400 دولار، سبب شلل الطيران الصهيوني المدني و إغلاق مطاريْ « بن غوريون » و « رامون » وهو ما لم يحصل من قبل أبدا ممّا اضطرّ الصهاينة إلى تغيير وجهة الرحلات الجوية باتجاه قبرص و اليونان .

10 ــــــ انهيار أسطورة « القبة الحديدية » : ولسنا نعني هنا أنّها من الناحية « العملياتية » عديمة الجدوى تماما،، صحيح أن نتنياهو يكذب على « ناخبيه » ويزعم أنّ القبة تصدّ نحو 70 بالمائة من الصواريخ « المعادية » في حين أن الحقيقة كما يقول « جدعون ليفي » أنّها لا تسقط أكثر من 30 بالمائة من صواريخ المقاومة . ولكنّ الأهمّ ، أنّ الصهاينة قد يئسوا ــــــ بعدما حصل ــــــ من بيع نماذج لهذه « القبة » لدولة الإمارات أو غيرها بعد الفشل الذريع و الكلفة العالية . إنّ ثمن كلّ صاروخ ينطلق من القبّة يصل 50 ألف دولارا ليلاحق صاروخا بقيمة 400 دولار . والأنكى أنّ واحدا من أصل 7 صواريخ يتمّ إسقاطه . وهذا يعني من الناحية الاستراتيجية لا فقط خسارة « أسواق » القبة بعد خسارة أسواق « الميركافا »، بل يعني أيضا أنّ السماء لم تعد ملكا للصهاينة رغم عظمة الأسطول الجوي الذي يملكونه وتنوّع تكنولوجياته.

11 ـــــــ نجاح المقاومة الوطنية في تحويل « القدس » معركة شاملة . إنّ أكبر مفاجأة ليست الصواريخ ولا الطائرات المسيرة …المفاجأة التي صعقت العقل الصهيونيّ أنّ قلب المعادلات لم يكن بسبب « عناصر من الخارج » (الإسرائيلي) بل بسبب قيامة ما يسمونه « عرب الداخل » في الفضاء الذي حسبوه « أخضر » فأثبت أنّ الانغراس في الأرض لا تمحوه بطاقة هوية « إسرائيلية » ولا عُملة « الشيكل » . إنّ المقدسيين وخاصة فلسطينيي اللّدّ (التي لم تخرج عن سيطرتهم منذ 1966) وسائر المناطق مثل يافا و حيفا أسقطوا عمليّا استراتيجيات العدوّ التي قامت على تقطيع أوصال فلسطين وأكدت الانتفاضة وحدة الشعب ضدّ المحتلّ . إنّ « الدّاخل » و عرب 1948 كما يسمّونهم ، هم القوة النووية الفلسطينية التي دشنت عصر دكّ حصون الغطرسة الصهيونية و أثبتت أنّ عقودا من « سياسات الإدماج » لا تثبت أمام رائحة الدّم الفلسطيني بعد أن راهن العدوّ على عامل « الزمن » لأنّ هؤلاء المقاومين الجدد لم يعيشوا النكبة ولا أدركوا حرب 1967 .. ولكنهم شبان عاشوا تحت احتلال ظنّ أنهم صاروا جزءا من « مجتمعه » الديموقراطي المتنوع . ولكنّ حساب الحقل ليس مثل حساب البيدر .

12 ــــــ أمّا أولئك الجزعون من « الفرس »، ومن « دولة بقايا المجوس »، فما زالوا لم يدركوا أنّ عالم السياسة لا يعرف الثبات . وأنّ علينا كعرب أن ندرك عميقا أنّ الإيرانيين أمّة لها مصالحها الخاصّة التي تدافع عنها، ولكنّ ذلك لا يمنع إطلاقا أن نتبيّن أنّ إيران حليف في هذه المرحلة من تاريخ هذه الأمة وأنّ التحالف لا يعني أن تكون حركة التحرر في منطقتنا خادما لها ، مثلما علينا أن نكفّ عن إسداء أجلّ الخدمات إلى الدعاية الأمريكية بسبب برنامج إيران النووي ، وهي الدعاية التي نشرتها دول « الاعتلال العربي » (المطبّعة بوضوح الآن) ومفادها أنّ الخطر الصهيوني ألطف و أقلّ من الخطر الشيعي الإيراني.

13 ــــــ إنّ ما حصل وما سيحصل خلال الأيام القادمة ، لن يحسم الصراع، ولن يجلب النصر النهائيّ على الغزاة .. ولكنّه سيسمح بإقامة توازن ردع مهمّ جدّا (رغم فارق الإمكانيات)  في هذه اللحظة التاريخية لاستكمال مهمّة إسقاط صفقة القرن العاجلة، ولفضح الخونة المطبعين،والإجهاز على تركة « أوسلو » المقيتة ، والاستفادة من ارتخاء القبضة الأمريكية على المنطقة منذ تجرعت الخيبة في العراق و شربت كؤوس الهزيمة في سوريا بعد أن أُذلّت في لبنان .

ليس المطلوب الآن تحرير فلسطين ، بل إبعاد السكين عن الرقبة رغم الكلفة البشريّة العالية.. والمطلوب فورا القطع مع الفكر المعطوب الذي يسحب الثقة من الشعوب ويتوهّم أن الحرب النفسية و التكنولوجيا يمكنهما ذبح أملها في الحرّيّة .

 

خالد كرونة ـــــ كاتب من تونس 


فيديو لحاتم القرمازي الشّاب المسجون لأنّه إخترع صاروخ "تونس حرّة"
الرّقاب/ بالفديو: الأمن يهشّم دكّان مواطن
بالفيديو: راوية علّاقي تروي تفاصيل إعتداء القيّم العام على والدتها
وقفة احتجاجية تطالب بالكشف عن الأطراف المتورطة في قضية اغتيال الشهيد شكري بلعيد
سندس قربوج: لهذه الأسباب يصبح أبناؤنا إرهابيّين
بالفيديو: ومضة تحسيسيّة رائعة
قدماء مناضلي الاتحاد العام لطلبة تونس يهددون بطلب اللجوء السياسي
حمّه الهمّامي يروي لأوّل مرّة ذكريات 14 جانفي 2011 في دهاليز الدّاخليّة (الجزء الثالث)
حمّه الهمّامي يروي لأوّل مرّة ذكريات 14 جانفي 2011 في دهاليز الدّاخليّة (جزء ثاني)

الهايكا تسحب إجازة القناة التلفزية الخاصة...

الهايكا: المحكمة تقر بصحة إجراءات حجز معدات...

تخريب منشأة مائية من طرف فلاحين وانقطاع...

في ليلة واحدة: غرق مراكب 13 عملية ''حرقة''...

الترفيع في معاليم استخراج شهادة الملكية...

العجز التجاري لتونس يتقلص الى 7ر5941 مليون...

الغرفة الوطنية لمراكز تجميع الحليب تعلن عن...

التضخم في تونس يستقر عنذ 5 بالمائة خلال شهر...

رجة أرضية في قفصة

رجة أرضية في المرناقية

خسوف كلّي للقمر الأربعاء المقبل

العلماء يعثرون على آثار لمواد "غير أرضية" في...

الأستاذ فتحي النصري : وداعا سعدي يوسف

المديرة العامة لليونسكو في زيارة رسمية إلى...

الأديبة المصرية المناضلة "أليفة رفعت " التي...

تأمينات كومار تؤجل تاريخ حفل تسليم الجوائز...