Quantcast

شعب 25 جويلية و نهاية الوهم الديموقراطي ! بقلم خالد كرونة

 

ما يزال الوقت مبكّرا لاستخلاص نتائج نهائيّة لما حصل في تونس منذ يوم 25 جويلية والأيام القليلة التي تلته . بيد أنّ تناول بعض العناصر برويّة كفيلٌ بإجلاء جزء من ضباب المشهد .

أوّل ما ينبغي بتقديرنا النظر إليه ، أنّ الأزمة الاقتصاديّة العميقة وأنّ الكارثة الوبائيّة المروّعة، سارعتا بسلخ ما بقي من جلد « الانتقال الديموقراطي » وتعرية الطابع الزبوني و السمة الريعيّة ــ المافيوزيّة للنظام المنتصب على رقاب الشعب. ولن تعوزنا الأدلّة على ذلك، يكفي أن نستعيد أجواء جانفي وانتفاض المهمشين و سكان الأحياء الشعبية لنوقن أنّ القِدر تفور، وأنّ السلطة السياسية قد تهالكت وباتت ثمرة عفنة تتهيّأ أن تسقط .

ولا مناص من الإقرار أيضا أنّ الطبقة السياسية (نعني الائتلاف الحاكم) قد استوفت كلّ عناصر استعداء الشعب بكلّ فئاته،، وبعيدا عن كلّ تهويم أيديولوجيّ، نعني بالشعب عموم الناس من الشغالين و الفلاحين و الموظفين وصغار الحرفيين و أصحاب المؤسسات المتوسطة و ساكنة الأحياء الشعبية فضلا عن جحافل المعطلين ،، وهنا أيضا لا تعوز الأمارات الدالة ، يكفي أن نلقي نظرة على الإحصائيّات التي تتابع الحركات الاحتجاجيّة بصرف النظر عن القطاعات و عن الجهات .

وليس خافيا ــ ثالثا ــ أنّ القاصي والداني أضحى مقتنعا بأنّ الأمور بين البرلمان و بين الحكومة تُدار وفق أرذل طرائق ممارسة الحكم : ترضيات، واتفاقات في الغرف المغلقة .. لقد كان جليّا بعيد انتخابات 2019 (وهو ما كتبناه حينها) أنّ « وفاقا إجراميّا » تشكّل تمّ بمقتضاه « تسخير » نوّاب قلب تونس ليصل الغنوشي رئاسة البرلمان، مقابل أن يتمّ على نحو متدرج البحث عن « مخارج » للمؤسس النبيل حفظا لمكانته وتيسيرا لعودته « معززا مكرّما » .

ولا نظنّ أحدا ينكر أنّ عامة الناس باتوا يكفرون بــ »الديموقراطية » ويأسفون على أيّام الدكتاتور .. ورغم ذلك، استمرّت « النهضة » (نركّز عليها لأنها صانع المشهد الرئيسي منذ انتخابات 2011) في التنكر لمطالب الشعب، ووضعت اليد مع جلادي الأمس (واليوم) وباتت الحامي الأوّل و الرئيسيّ للـــ »مخازنية » الذين حوّلوا كلّ مقدرات البلد لصالح جيوبهم التي لا تشبع، ولصالح « المافيا » التي تحولت من « شرذمة » تجود عليها سلطة بن علي ببعض الفتات، إلى متحكّم في السياسات ، وهكذا انتهينا إلى دولة مافيوزية .

ولا ريب أنّ اجتماع كلّ هذا العفن في مستنقع السياسة التونسيّ قد سمح بتعميق نهج التفريط في السيادة و أشرع كلّ الأبواب أمام الأجنبيّ لنهب ما بقي على حساب الشعب المغلوب على أمره لذلك بلغ التداين مستويات قياسية و تراجع الدينار واستشرى الغلاء وأنشب الفقر أظافره في الشعب و زاد الوباء في عفونة الوضع لانشغال « الجماعة » بالتمكين لأنفسهم و باقتسام مراكز النفوذ وقائمة أصحاب المال ، فصار البرلمان سيركا للتهريج ، وصارت الحكومة سيفا مسلطا على الرقاب، تنهش بإجراءاتها الفقراء، و تدفع بالشبان المنتفضين إلى المحاكم، وتلاحق المدونين، وتعدّ للمتظاهرين ما تيسّر من آليّات تطحن بقية من أحلامهم في الكرامة الوطنية، وقد مثلت فترة « المشيشي » أوج التدهور السياسي والمعيشي الذي كان استمرارا و استكمالا لما فعله سلفه الشاهد .

وسط هذه الأجواء، وأمام انسداد الآفاق، خرج الناس يوم عيد الجمهورية يبحثون عن جمهوريتهم . ولأنني لست من المولعين بنظرية المؤامرة، ولا من المهووسين بخزعبلات المخابرات، سأكتفي بالتنويه  إلى أن جلّ الجهات انتفضت، وإلى أن المتظاهرين كانوا من مختلف الأعمار، من النساء و من الرجال .                                                                                                                                                                                  ولكنّ الملاحظة الأهمّ أنّ انتفاض المناطق الجنوبية و مهاجمة مقرات النهضة و بعضا من مقرات الدستوري تدلّ بجلاء أنّ صفحة النهضة تتهيّأ أن تطوى وأن حاضنتها الشعبيّة قد تآكلت أمام فظاعة ما فعل زعماؤها بالبلد، بعد أن عيل الصبر وفاضت الكأس .

وهنا تلقّف الرئيس الفرصة، وهو الذي أدرك ــ كما ندرك جميعا ــ أن المنظومة التي كرسها دستور 2014 مغلقة تماما، أي أنها تضع أقفالا على مقاس المؤسسين تعيق أيّة إمكانية لـ »حلحلة » الأوضاع أو البحث عن مخارج طالما أن « الأغلبية » منسجمة مع رئيس الحكومة أو مهيمنة عليه وهو ما حصل أيام السبسي و الشاهد وما تكرر مع سعيّد و المشيشي .

وبما أنّ « بر الأمان » لا يمكن بحكم نبل أعماله، و مسؤولية أعضائه ، ووطنية أغلبيته، أن يكون مصدر حلّ (بل بؤرة الأزمة) ، وبما أن المشيشي كان دمية « الأغلبية « ، كانت قرطاج المخرج الوحيد الممكن . وليس خافيا أن رئيس الدولة نفسه يعلم يقينا أنه يخرق الدستور، ولكنّ « لزوم الشغل » يحتّم الاستناد إلى فصل يوسّعه و « يفرطحه  » على مقاس الإجراءات الواجب اتخاذها من وجهة نظره.

إنّ النتيجة الأولى للمبادرة الرئاسيّة، أنها منحت سعيّد تفويضا شعبيّا أعلى بكثير من التفويض الذي يمنحه الدستور، وليست ردود الفعل في الشارع في ذات الليلة غير دليل لا يقبل الدحض على ذلك، بما يعني أنّ ما أعلنه وخاصة « تجميد البرلمان » و « إسقاط المشيشي » كان منسجما تماما مع مطالب شعب 25 جويلية . لذلك شارك في التظاهرات الليلية من لم يشارك في مظاهرات النهار.

ولا ينبغي أن نذهل عن حقيقة عارية، هي أنّ « سعيّد » لم يتلقّف فقط احتجاجات 25 جويلية،بل استفاد من السياق الدولي و كذا الإقليمي الذي يفسّر بمقدار، ما حصل في تونس . فإذا ضربنا صفحا عن الخطاب الخشبيّ لدول أوربا و للولايات المتحدة الذي يعلن الحرص على « الديموقراطية » و خشيته على « التجربة التونسية » ، سنلاحظ بيسر أنّ ترتيبات ما قد جرت قبل تاريخ 25 جويلية ، وأنّ هناك خلافا لما هو معلن، ارتياحا لتصفية تركة النهضة / الإخوان خاصة أنّ ذلك يسمح دوليّا بتقليم أظافر تركيا في ليبيا والحدّ من تأثيرها في المنطقة عبر إسقاط أبرز قلعة إخوانية وهي النهضة التونسية .

ولكن، ماذا بعد ؟

قد يكون ما حصل أحيا أحلاما قبرتها النهضة و حلفاؤها خلال العشريّة، وعاد اسم لجنة المرحوم « عبد الفتاح عمر » إلى الواجهة، وأثيرت مجددا قضايا استرجاع الأموال المنهوبة، و طفت شعارات ملاحقة الفساد وإصلاح الإدارة وهلمّ جرّا ..

وإذا كان سقف الأحلام قد ارتفع لدى عدد غير قليل من الناس، خاصة بعدما رأوا بأمّ العين أن « النهضة » مجرد « بعبع » وأنها أوهن من بيت العنكبوت، وأدركوا أنّ صفحة العشريّة قد طويت إلى الأبد، فإنّ الأفق غائم تماما نوجزه في النقاط الأساسيّة التالية :

1 ـ  من الخطل التوهم بأنّ أجل الشهر « المعلن » كاف لترتيبات ما بعد التدابير الاستثنائية .. هل سيفتح سيرك البرلمان أبوابه مجددا بعد شهر؟ الأكيد أن بلادنا ستعيش أشهرا طويلة و شاقة ضمن هذه الظروف الجديدة .

2 ـ إذا افترضنا « نجاح » الرئيس في الجانب السياسيّ ( اقتراح تعديلات على الدستور / مراجعة قانون الأحزاب و خاصة تمويلها/ سنّ قانون انتخابي جديد / إطلاق حملة محاسبة للفاسدين الخ ) ، هل يعني ذلك أنّ أحوال البلد ستنتعش ؟

3 ــ الرئيس لا يملك أيّ برنامج اقتصادي ،، وكلّ ما ينطق به شعارات تتصل بإجراءات محدودة لا تغير هيكليا واقع المنظومة الاقتصادية ولا تمثل قاعدة لما يجب أن يكون : نعني قطيعة مع منوال فاسد انتهت صلاحيته منذ ما يزيد عن 11 عاما .

4 ـ هل سيكون بمقدور الرئيس أن يعين حكومة تتخذ إجراءات سيادية ؟ هل ستعلن تعليق سداد الديون في انتظار إعادة جدولتها؟    هل سيصدر مرسوما يلغي قانون استقلالية البنك المركزي سيء الذكر ؟ هل يمكنه ــ من دون برنامج ــ تفكيك المنظومة الريعية المتربحة؟ هل سيكون قادرا على خلق آليات إدماج الهامش و قص أجنحة المافيا ؟ هل يملك أدنى تصوّر ناجز لكيفية تحرير الفلاحين وإصلاح الريف ؟ هل يملك برنامجا يخلص صغار المستثمرين وأرباب العمل من عبودية البنوك و تغوّل المافيا؟

للأسف، لا !

على سبيل الخاتمة :

أولئك الحمقى الذين يتباكون على « الديموقراطية » لم يدركوا أنها لا توجد من دون رفاه .. وشتان ما بين التعددية و ما بين الديموقراطية. ولا أحد يستطيع اليوم، (لا سعيد ولا سواه) إعادة عقارب الساعة إلى الوراء و تأسيس الدكتاتورية.. فإن حاول، سيجد من الصدّ ما لم يتوقّع .

القضية الحقيقية، هي البديل الاقتصادي .. وعلى الثوريين الحقيقيين أن يلتفتوا إلى هذه الوجهة . وعليهم أن يستعدوا للنضال لأنّ أصحاب الفراديس لا يغادرون نعيمهم بسهولة .. سنحتاج أوسع التقاء مدني مقاوم على قاعدة مطالب الناس الاجتماعية .. هي حقوقهم المهدورة،، ومن الواجب المسارعة بخطة طوارئ اقتصاديّة عاجلة ( ننشر تصورا لها خلال بضعة أيام) .

أمّا النوايا،، فهي لا تصنع الربيع .. وأمّا عهد الزعيم المخلّص، فسراب لا يتبعه إلاّ أصحاب الخواء ..

تذكروا دائما أنّ الشعب وحده هو البطل !

 

خالد كرونة  / كاتب من تونس   


فيديو لحاتم القرمازي الشّاب المسجون لأنّه إخترع صاروخ "تونس حرّة"
الرّقاب/ بالفديو: الأمن يهشّم دكّان مواطن
بالفيديو: راوية علّاقي تروي تفاصيل إعتداء القيّم العام على والدتها
وقفة احتجاجية تطالب بالكشف عن الأطراف المتورطة في قضية اغتيال الشهيد شكري بلعيد
سندس قربوج: لهذه الأسباب يصبح أبناؤنا إرهابيّين
بالفيديو: ومضة تحسيسيّة رائعة
قدماء مناضلي الاتحاد العام لطلبة تونس يهددون بطلب اللجوء السياسي
حمّه الهمّامي يروي لأوّل مرّة ذكريات 14 جانفي 2011 في دهاليز الدّاخليّة (الجزء الثالث)
حمّه الهمّامي يروي لأوّل مرّة ذكريات 14 جانفي 2011 في دهاليز الدّاخليّة (جزء ثاني)

قضية الكوكايين بميناء حلق الوادي: بطاقة...

نقابة الصحافيين : "اعتداء سافر على الصحفيين...

حادثة الدهس في قصر هلال: توجيه تهم القتل...

قصر هلال : وفاة شخص وإصابة 4 شبان جراء عملية...

تونس تواجه فجوة في الميزانية تقارب 1ر5 مليار...

تقلص عجز ميزان الطاقة الأولية لتونس بنسبة 12...

"من الصعب إتمام ميزانية الدولة لسنة 2021...

قريبا، افتتاح وحدة جديدة لتعليب المياه...

رجة أرضية في قفصة

رجة أرضية في المرناقية

خسوف كلّي للقمر الأربعاء المقبل

العلماء يعثرون على آثار لمواد "غير أرضية" في...

الدورة 32 لأيام قرطاج السينمائية : قائمة...

الهادي التيمومي وسفيان بن فرحات يتوّجان...

آدم فتحي ، الشاعر الذي عشق إميل سيوران بقلم...

الإعلان عن الفائزات بالجائزة الوطنية زبيدة...