Quantcast

صواريخ الأيّام العشر ! بقلم خالد كرونة

 

لم تهتمّ جحافل « المحلّلين » الذين انتصبوا اليوم لتقويم أداء المنظمات الفلسطينية في معركة « سيف القدس » 2021 وخاصة أولئك الذين استلّوا « سيوف النقد » لقرار وقف إطلاق النار حدّ الإشارة إلى « صفقة » و الإيهام بالخيانة إلى حدث رسوّ حاملة الطائرات العملاقة  (يو.اس. اس ــ جورج بوش) في غرّة جويلية 2016 قبالة ميناء حيفا شمال فلسطين المحتلّة، التي كان على متنها أكثر من 5500 جنديّ و ملاّح و80 طائرة مقاتلة و مروحيّة، لتدشين أوّل قاعدة عسكريّة أمريكيّة دائمة داخل الكيان الصهيوني (وهو نفسه قاعدة أكبر) . ولا أحد منهم ــــ فيما أعلم ـــــ تجشّم مشقّة البحث عن دواعي القرار الأمريكي / الترامبي « الغريب  » ، بل لعلّ « جهابذتنا » لم يأبهوا أصلا لدلالات هذا الحدث من الناحية العسكريّة ولا هم اكترثوا إلى أبعاده الإستراتيجية وآثاره على جولات الصراع القادمة ضدّ العدوّ.

لم يُخف قائد الدفاع الصاروخي الصهيوني وقتها الجنرال « حاييمو ـ فيتز » أنّ إنشاء القاعدة كان جزءا من « الدروس المستفادة » من حرب الكيان على غزّة في 2014، وكان ـــــ وهو الأهمّ ـــــ نتيجة تحاليل استخباراتهم للمخاطر المستقبليّة.   إنّ إطلالة سريعة على ما يملك الأمريكي من قواعد في المنطقة، يمكن أن تسمح ببداية « فهم » لا فقط لخطوة إنشاء قاعدة جديدة دخلت الخدمة فعليا في سبتمبر 2017 فقط، بل بفهم ما جرى في فلسطين خلال أيّام الصواريخ العشر.

تحتضن السعوديّة قاعدة « قرية الإسكان » التي بقي فيها حوالي 500 جندي بعد نقل 4500 إلى قاعدة « العيديد » في قطر ( وهي أهمّ قاعدة للأمريكان بعد 2003 مجهزة بأطول مدرج للطائرات في العالم وتعتبر مخزن الأمريكان الاستراتيجي في المنطقة )، تُضاف إليهما قاعدة جوّية في الإمارات تختصّ بالإسناد اللوجستيّ خاصة أنّها تستفيد هناك من سيطرتها على مينائيْن بمياه عميقة وهو ما تحتاجه السفن العسكرية الكبرى.

أمّا الكويت، فتقام على أرضها قاعدة « معسكر الدوحة » ( مشاة الفرقة الثالثة و دباباتهم و مدرّعاتهم فضلا عن قوة جوية محدودة قوامها 80 مقاتلة) وقريبا منها تحتضن المنامة (البحرين) مقر الأسطول الأمريكي الخامس الذي يضم أكثر من 4000 جندي وحاملة طائرات و غواصات و70 مقاتلة تكتيكية تتمركز في « قاعدة الشيخ عيسى » الجوية. وتؤمّن القاعدة الجوية في سلطنة عُمان مهام دعم الجسر الجوي بما تحتضنه من طائرات التزود بالوقود فضلا عن القاذفات من طراز (B1)، في حين يضمّ الأردن قاعدتيْن جويتين (الرويشد / وادي المربع) حيث تتمركز الوحدة 22 الاستكشافية البحرية وعدد من المقاتلات ، وتقدّم مصر أجلّ « المساعدات » خلال تحريك القطع البحرية فضلا عن قاعدة جوية (غرب القاهرة) تستخدم في مهام دعم الجسر الجوي و التزود بالوقود.

ولسنا في حاجة إلى التذكير أنّ العراق (بعد الاحتلال) أضحى يضمّ ـــــ وفق الخبراء ـــــ أكثر من 70 قاعدة عسكرية أمريكيّة (أغلبها كانت قواعد الجيش العراقي) موزعة على مدن كثيرة.

إنّ عدد  القواعد الأمريكية حول العالم لا يزيد عن 130، وقد سمح هذا الجرد المستعجل ببيان أنّ غالبيتها ينتصب في منطقتنا التي باتت « غابة قواعد » (ينبغي ألا نذهل عن الدور التركي في إسناد الأمريكي ضمن الناتو) و سيعسر عليك تفسير إقامة قاعدة إضافية داخل « الكيان » (على أرض فلسطين) إذا لم  تدرك  أنّ الهدف من إنشائها  ـــــ الذي استمرّ  4 سنوات ـــــ كان تحديدا تطوير أداء أنظمة الردع والدفاع في حال قُصف الصهاينة من غزة أو لبنان أو سوريا …      وقد أبانت مناورات الصهاينة والأمريكان المشتركة  « جنيفر كوبرا » التي جرت في مارس 2016 عن نقاط « ضعف » في حال أُمطر الكيان بكمية ضخمة من الصواريخ. إنّ القاعدة إذن ليست سوى منصة دفاعية صاروخية مرتبطة مباشرة مع منظومات الرادار التي تحمي مفاعل « ديمونا » النووي .

ما أيسر أن تسحب « جوالك » أو تنقر على حاسوبك عبارات الترذيل و الحطّ من المنجز الوطني خلال أيام الصواريخ العشر، هذا إن لم يصل بك الأمر تخوينَ الفصائل و المقاتلين، إذا كنت تواصل الخوض فيما ليس لك به علم. فمجرّد التفكير في إدارة « معركة » في مثل هذه الظروف (فضلا عن اتخاذ قرار الانخراط فيها) يحتاج عقلا استراتيجيا جبّارا وإدراكا متناهيا لأدقّ تفاصيل الحالة الفلسطينية وطرائق عيش هذا الشعب الذي قُطعت أوصال بلده . ولعلّ الجماعة لا تعلم أيضا، أنّ الأمريكي سحب منذ أول أيام الصواريخ 160 عسكريّا من قاعدته « مشآبي « داخل الكيان  وتركه « وحيدا » بسبب قناعة الأمريكي وجود مخاطر جدية عليهم بعد أن أنهى اليمنيون أسطورة « الباتريوت » التي طالما تبجح بها السعوديون و الأمريكان، وجاء الدور على أسطورة « القبّة الحديدية » التي باتت بعد أيام الصواريخ العشر جزءا من الماضي سيكتبُ عنها الثرثارون بعض بيانات النعي الحزينة .

إنّ ما حصل في فلسطين نصرٌ كبيرٌ ، وعنوانه العسكريّ الأوّل نهاية أسطورة القبّة الحديدية التي صارت من صلصال أمام « صواريخ » محدودة القدرة التدميرية، رخيصة الثمن، سهلة الإطلاق، متنوعة المدى. إنّ إجبار أكثر من 5 مليون صهيوني على قضاء أوقات « ممتعة » في الملاجئ، لا يعني فقط خرقا في القبّة، بل ستتبعه نتائج أخرى على « نسيج » الصهاينة المهترئ أصلا (لأسباب ثقافية) لأنّه لن يحدث فقط حالة ذهول، بل سينشر ـــ وقد فعل ـــــ حالة انعدام ثقة في المستقبل وهو عنوان الانتصار الثاني المهمّ . إنّ شعور المحتلّ بأنّ الأرض متحركة تحت أقدامه، ستقود حتما إلى موجات هجريّة عن فلسطين في الأيام و الأسابيع القادمة بعد التفكك الذي وسم علاقة المستوطن ب »دولته » وبعد أن عجت صحف العدوّ و حوارات « مثقفيه » و « عسكرييه » أيضا على الشاشات بمشاعر الهوان و « قرب النهاية » .

سمّى الصهاينة هذه الجولة  » حارس الأسوار » ، ولكنّ « سيف القدس » جاوزها ليحقّق بواسطة 4000 صاروخ تغييرا عميقا في المشهدين الإقليمي و الدوليّ بعد أن أعادت رسم الخريطة الفلسطينية كاملة وبعد أن أذابت نيرانها جهود الصهاينة عقودا لــــ »أسرلة » فلسطينيي 1948،فإذا بحملة « حارس الأسوار » تنقلب « تحطيم الأسوار » .

ومثلما أنهت أيام الصواريخ العشر إلى الأبد أسطورة قُبّتهم،أنهت أيضا خرقة « أوسلو » فأضحى رموز « السلطة » في رام الله معزولين تماما داخليّا و حتّى خارجيّا لأنّهم تاهوا عن طريق التحرير وذهلوا عن درب الوصول إلى فلسطين. وهذا يعني أنّنا إزاء مرحلة جديدة و شاقة، لا بدّ فيها من إعادة تنظيم الفعل المقاوم الفلسطيني ورسم برنامجه السياسيّ في ضوء نتائج ما حدث على قاعدة الوحدة الوطنية.

لقد شاهد العالم كلّه أنف الصهاينة يُمرّغ في وحل الهزيمة، فليس هيّنا أن « يعزِل » فتية مقاومون عن العالم مَن كانت أمس تعدّ إحدى أقوى دول المنطقة و يجبرها أن تحوّل وجهة طائراتها إلى قبرص واليونان، و لا ينبغي هنا أبدا التقليل من أهميّة حدث إغلاق مطار »بن غوريون » ثم مطار « رامون »،لأنّه « بروفة » مهمّة لما سيحدث في « جولات » قادمة لمن يحاول أن يستبصر المستقبل .

وليس من المبالغة في شيء، القول إنّ ما شهدته عكّا و اللّد والرملة و يافا وحيفا من مواجهات مع الاحتلال ستشكّل حدثا يؤرّق « العقل الصهيوني »  الذي توهّم أن عقودا من « الإدماج القسريّ » تحت مظلّة « التعايش » المثقوبة، سمحت بمحو الذاكرة بعد رحيل « جيل النكبة » وأنهت إلى غير رجعة مفاعيل الجدار العنصريّ و « ثقافة » أوسلو، وكرّست نهائيّا سقوط « خطّ التسوية » لصالح خطّ « النضال و المقاومة » .

وبصرف النّظر عن مزاعم « العدوّ » أنّه تمكّن من تدمير 60 ميلا من الأنفاق، فإنّ العالم بأسره رأى بأمّ العين فشله  في تحقيق أيّ انتصار عدا تحطيم العمارات و قتل الأطفال وتحويل المدنيين إلى أهداف عسكريّة لطرازات الفانتوم المختلفة،وفشله الأكبر أنّه لم يتمكّن من عزل المقاومة عن « حاضنتها » الشعبيّة بالرغم من ثقل الخسائر البشريّة والمادية.

لقد توفّقت أيام الصواريخ العشر في إعادة « أنبل قضية » إلى صدارة المشهد الدّوليّ بعد أن أسقطت خطوات التهويد في القدس ومنعت استفراد الصهاينة بالمدن،وأحيت تضامن الشعوب في العالم مع فلسطين،يكفي أن ترى ما حصل في سيدني أو مدريد أو باريس أو مونريال وسائر بقاع الأرض،لتدرك أن صفحة جديدة قد فتحت إذا أحسن الفلسطينيون إنضاج شروط القادم تحت سقف سياسيّ مقاوم وضمن شروط الوحدة الوطنية .

إنّ الجرائم المروّعة هي فقط ما بقي للغزاة الصهاينة، بيد أنّها بصدد تعميق أزمة الكيان الاستراتيجية لأنّ توسيع دائرة الضحايا،يسقط عنه كلّ مشروعيّة أخلاقية و قانونية و سياسية . لذلك لا ينبغي أن يفاجئنا قول « افراييم هليفي » رئيس الموساد السابق :  » نحن على أبواب كارثة .. إنه ظلام ما قبل الهاوية » .

ينبغي لنا أن نثمّن موضوعيّا نتائج عملية « سيف القدس »، وأن نعي أن تحقيق الانتصارات مسألة مراكمة، فهي لا تكون وفقا للطلب كما يتوهّم « مستعجلو التاريخ » .. وعلينا أن ننشر بفخر ما قاله رئيس الموساد (الذي خلف هليفي) وهو « مائيير داغان » منذ أيام :  » إنني أشعر بخطر على ضياع الحلم الصهيونيّ » لأنّ نقل فكرة « الضياع » إلى معسكر العدوّ تعني عمليّا استعادة فكرة النصر من جانبنا.

أن يقول رئيس عربيّ  » التنكّر للحق الفلسطيني خيانة »، كان حلما طوباويّا منذ سنوات قليلة ..وهذا ما يعنيه الإقرار بأنّ عالم اليوم ليس عالم الأمس ، وأنّ عهد الغطرسة الأمريكية في طريقه أن يصبح من الماضي .. وأن يتطوّع 1200 من الأطباء المصريين لعلاج جرحى « سيف القدس » رغم ظروف مصر المعلومة، وأن يجمع الكويتيون 34 مليون دولارا خلال 3 ساعات إسهاما في جهود إعادة إعمار غزّة دليل ساطع على أنّ عهد الهزائم قد ولّى، وأنّ نهاية الكيان ستكون أسرع ممّا قد نتوقّع . جهزوا أبناءكم ليزوروا فلسطين الحرّة إذا لم يسعفكم العمر .

أمّا أولئك « المحللون » الذين تسكن « المؤامرة » عقولهم، وأولئك الذين « يستحون » أن ينصفوا سوريا لما قدمته في ظروف صعبة وشديدة التعقيد ممّن يحبون سلاحها و يشتمون حكامها، أو  الذين يخجلون أن ينصفوا الدور الإيراني خشية « وصم » الصفوية، وأولئك الذين يخشون انتصارا فيه رائحة حماس و الجهاد ، فليس أمامهم غير الإشفاق على « ديموقراطية » الصهاينة ومواصلة إدارة الظهر لتحولات العالم والمنطقة .

 

            خالد كرونة ــ كاتبٌ من تونس


فيديو لحاتم القرمازي الشّاب المسجون لأنّه إخترع صاروخ "تونس حرّة"
الرّقاب/ بالفديو: الأمن يهشّم دكّان مواطن
بالفيديو: راوية علّاقي تروي تفاصيل إعتداء القيّم العام على والدتها
وقفة احتجاجية تطالب بالكشف عن الأطراف المتورطة في قضية اغتيال الشهيد شكري بلعيد
سندس قربوج: لهذه الأسباب يصبح أبناؤنا إرهابيّين
بالفيديو: ومضة تحسيسيّة رائعة
قدماء مناضلي الاتحاد العام لطلبة تونس يهددون بطلب اللجوء السياسي
حمّه الهمّامي يروي لأوّل مرّة ذكريات 14 جانفي 2011 في دهاليز الدّاخليّة (الجزء الثالث)
حمّه الهمّامي يروي لأوّل مرّة ذكريات 14 جانفي 2011 في دهاليز الدّاخليّة (جزء ثاني)

الهايكا تسحب إجازة القناة التلفزية الخاصة...

الهايكا: المحكمة تقر بصحة إجراءات حجز معدات...

تخريب منشأة مائية من طرف فلاحين وانقطاع...

في ليلة واحدة: غرق مراكب 13 عملية ''حرقة''...

الترفيع في معاليم استخراج شهادة الملكية...

العجز التجاري لتونس يتقلص الى 7ر5941 مليون...

الغرفة الوطنية لمراكز تجميع الحليب تعلن عن...

التضخم في تونس يستقر عنذ 5 بالمائة خلال شهر...

رجة أرضية في قفصة

رجة أرضية في المرناقية

خسوف كلّي للقمر الأربعاء المقبل

العلماء يعثرون على آثار لمواد "غير أرضية" في...

الأستاذ فتحي النصري : وداعا سعدي يوسف

المديرة العامة لليونسكو في زيارة رسمية إلى...

الأديبة المصرية المناضلة "أليفة رفعت " التي...

تأمينات كومار تؤجل تاريخ حفل تسليم الجوائز...