Quantcast

في الخلفية السوسيولوجية لعقلي عياض بن عاشور وقيس سعيد بقلم مولدي الأحمر

لكي تصبح فقيها في القانون الدستوري -والقانون عامة- ينبغي عليك قطع مسار طويل من التدريب الذهني والسيكولوجي، ومن نحت  للهوية المهنية، وحتى الاجتماعية،لتنتهي باستيعابك ،تشربا وتدربا ،لميتافيزيقا القانون. وعندما تعود إلى العالم لتمارس فيه مهنتك  تأخذ كتاب القانون بقوة، وتنسى السؤال الأصل كيف تنشأ وتصبح القوانين قوانين؟. والمتخصص جدا في القانون يصبح ينظر إلى العالم من وجهة نظر القانون ذاته، ما يسمح به وما لا يسمح، وفي الحد الأقصى يتفقه في كيفية الدفاع عنه و/أو في كيفية التحايل عليه، وفي كلى الحالتين يستخدم القانون ذاته.

هل هذا أمر طبيعي؟ أبدا، هو صناعة اجتماعية! فبمجرد أن تتشكل الجماعة ، كبيرة كانت أم صغيرة، تتشكل معها الأعراف والعادات والتقاليد، التي يتخذها الأفراد مرجعية يحتكمون إليها في حل خلافاتهم أو في تأكيد لُحمتهم أو في ترسيخ هيمنتهم. ومن يرسخ هذه الأعراف، عبر تقنية الروتين، ويصقلها على الوجه الذي يريد  تأبيده، يكون هو الأقوى، أي الأكثر حيوية وموارد ووعيا بأهمية إرساء قوانين تحدد اللعبة، حتى وإن كان قانون القوة يقتضي لا أبديتها في يد واحدة، وبالتالي قدرة من يستلمها على تغيير قوانين اللعبة.

من مفارقات ميتافيزيقا القانون أنها عندما تعود إلى العالم تتلبس به بشكل لا يختلف كثيرا عن نشأتها من ثناياه. فممارسة القانون تحتاج إلى مؤسسة السلطة، وهذه المؤسسة تنتج -لقيامها على القوة- موالين ومناوئين لها، ولأنها تحتاج في ممارستها للقانون مدونة قانونية فهي تنتج، عندما تترسخ في الأشياء والعقول، حقلا شبه مستقل من المتخصصين في ميتافيزيقا تلك المدونة. ولأن تلك المدونة متصلة اتصالا وثيقا بالعالم، رغم طابعها المتافيزيقي، فإن التخصص فيها يمكن أن يكون استراتيجية جماعية عائلية و/أو مهنية، تسمح بنسج علاقات تبادل من نوع خاص مع السلطة دون التورط في مقتضيات القوة، أي ممارسة السلطة.

في العصر الأوربي الحديث ذابت سلطة المدينة المستقلة والمقاطعة الفيودالية وفقهاؤهما في سلطة الدولة الحديثة، وكان أعظم إنجاز لهذه الدولة هو إرساء فلسفة روح الشرائع، متجاوزة بخطوات واسعة القانون الروماني القديم. الدولة الحديثة،التي تطورت في سياق ذهني وضعي،صقلت القانون إلى أبعد حد وأعطته بعدا شكليا يسمح باستخدامه بسلاسة تكاد تكون حسابية. وفي الحقيقة كان هذا المسار التاريخي التحديثي يؤسس لسيطرة ذهنية-مؤسساتية لميتافيزيقا القانون، اختفى بموجبها الله وحمولة فكرة الحق التي معه من دفاتر البيروقراطيين والمحاكم وحل محلها القانون الوضعي الشكلاني. إذا أراد أحد أن يغير القوانين عليه أن يحترم قوانين اللعبة، أي لعبة، وأن يتبع لتحقيق ذلك مسارا طويلا مضنيا من التفاوض يوازي مسارا طويلا من تغير موازين القوى في قلب السلطة ذاتها. ووفق هذا النموذج التاريخي أن تتبع هذا المسار يعني أنك تنتمي للعصر الحديث.

وفي هذه التجربة أن تكون متحضرا لا يعني أنك قادر على إحقاق الحق، فهذا لا معنى له، بليعني أنك تقبل بقوانين اللعبة المُضمنة في مدونتها الميتافيزيقية، وأن تتمثلها وتتشربها تماما، حتى وإن كانت في غير صالحك و فشلت في تغييرها أبد الدهر. إذا اشتغلت على تغييرها من خارج منطقها ومربعاتها فأنت تهدد المنظومة بأكملها، والمنظومة لها كل مخزونها المؤسساتي والتصنيفي كي تجعل من كل من يتحرك من هامش المنظومة انقلابيا على قانون اللعبة، مخربا، وبشا، أفاقا، منافقا، كافرا… وربما حتى شعبويا. ومع ذلك فسيان بين  أن تقبل بتكبيل يديك احتراما لقانون لعبة يهضم حقوقك، وأن تغير منظومة قائمة على قانون لعبة معلوم بأخرى لا قانون يحكمها أو يحد من سلطاتها.

أين يقف من هذا بن عاشور وسعيد؟ ما قام به سعيد من وجهة نظر القانون الدستوري، كما شرحه أهل الذكر في المجال، ومنهم بن عاشور، يعد انقلابا سياسيا لا غبار عليه. وهذا الحكم الفقهي صحيح تماما من داخل ميتافيزيقا المدونة الدستورية، وبن عاشور – وإذا عدنا بالمدونة إلى هذا العالم النفعي كل عائلة بن عاشور المتخصصة في فقه السلطة منذ الدولة الحسينية- يُذكٍر هنا بقوانين اللعبة التي يُعتبر كل من يتمسك بها ولا يحرفها (والتحريف له معنى ديني عميق) متحضرا وممثلا راقيا لروح الدولة الحديثة الديمقراطية. بالنسبة لسعيد يجب إعادة المدونة إلى صراعات هذا العالم، لكن من باب سؤال أصل نشأتها وليس من باب مهارات استخدامها. هذا الاختلاف يترجٍم تماما المسافة السوسيولوجية الفاصلة بين من يمارس إكراهات السلطة ويتلبس بتاريخ فعلٍه فيها، ومن يؤدي مهمته في ممارسة مهاراته في المجال؛ بين من هو آت إلى السلطة من الآفاق (لم تطبخه الدولة بعد كما يقول ابن خلدون) ما يجعله ينظر إلى قانون اللعبة من زاوية ما يضعه أمامه وأمام من يعتقد أنه يمثلهم من عقبات، ومن يفكر بمفهوم ضرورة التقيد بالمنظومة السائدة دفعا لشر الفوضى وشُذاذها.

منذ اندلاع الأزمة السياسية في تونس تراوح الجدال بين المجال القانوني والمجال السياسي. قلة قليلة تمسكت بالمدونة في مضمونها وشكلانيتها تكريسا للمهنية ، ومنهم بن عاشور. ومن موقعه كمختص، ومن صفته كمواطن، هو محق في ذلك رغم ان سلوكه التحليلي ليس خارجا عن التاريخ . وفي المقابل تخَفت الغالبية وراء التأويل الدستوري لتمارس السياسة تماما مثل قيس سعيد، سواء معه أو ضده. ومن كل هذا يبقى درسان: الأول أن هناك فرقا شاسعا بين أن تتعامل مع المدونة في تفاصيل إكراهاتها القانونية وأنت في أتون الفعل السياسي، تتكشف لك داخله كل يوم المسافة بين شكلانية القانون وحيوية الفعل ونتائجه، وبين ممارسة التحليل لتأخذ  موقفا-رأيا   لست معنيا بتحويله إلى فعل. الدرس الثاني أن تجاوز الحلقات  السياسية-القانونية  المفرغة في سياقات الأزمة الحادة يحدث دائما بخروج محفوف بالمخاطر عن شكلانية الدستور. يبقى أن تجميع السلط واستمراره في يد واحدة لفترة طويلة نسبيا يؤدي دوما إما إلى تلاشيها أو إلى الاستبداد. لذلك كما نحتاج إلى سعيد نحتاج إلى بن عاشور. والأهم من كل ذلك هو أننا نحتاج إلى الشعب في كسر الحلقات المفرغة وفي صنع التاريخ المشرق للشعب الذي لا يفقد قدراته المختلفة في مجال مراقبة السياسة والتفاعل مع تفاصيلها اليومية.

 


فيديو لحاتم القرمازي الشّاب المسجون لأنّه إخترع صاروخ "تونس حرّة"
الرّقاب/ بالفديو: الأمن يهشّم دكّان مواطن
بالفيديو: راوية علّاقي تروي تفاصيل إعتداء القيّم العام على والدتها
وقفة احتجاجية تطالب بالكشف عن الأطراف المتورطة في قضية اغتيال الشهيد شكري بلعيد
سندس قربوج: لهذه الأسباب يصبح أبناؤنا إرهابيّين
بالفيديو: ومضة تحسيسيّة رائعة
قدماء مناضلي الاتحاد العام لطلبة تونس يهددون بطلب اللجوء السياسي
حمّه الهمّامي يروي لأوّل مرّة ذكريات 14 جانفي 2011 في دهاليز الدّاخليّة (الجزء الثالث)
حمّه الهمّامي يروي لأوّل مرّة ذكريات 14 جانفي 2011 في دهاليز الدّاخليّة (جزء ثاني)

قضية الكوكايين بميناء حلق الوادي: بطاقة...

نقابة الصحافيين : "اعتداء سافر على الصحفيين...

حادثة الدهس في قصر هلال: توجيه تهم القتل...

قصر هلال : وفاة شخص وإصابة 4 شبان جراء عملية...

تونس تواجه فجوة في الميزانية تقارب 1ر5 مليار...

تقلص عجز ميزان الطاقة الأولية لتونس بنسبة 12...

"من الصعب إتمام ميزانية الدولة لسنة 2021...

قريبا، افتتاح وحدة جديدة لتعليب المياه...

رجة أرضية في قفصة

رجة أرضية في المرناقية

خسوف كلّي للقمر الأربعاء المقبل

العلماء يعثرون على آثار لمواد "غير أرضية" في...

الدورة 32 لأيام قرطاج السينمائية : قائمة...

الهادي التيمومي وسفيان بن فرحات يتوّجان...

آدم فتحي ، الشاعر الذي عشق إميل سيوران بقلم...

الإعلان عن الفائزات بالجائزة الوطنية زبيدة...